أظهرت التقارير التي توالت في الأيام الأخيرة، وردود الفعل الفلسطينية عليها، أن المفاوضات بلغت حداً هدّد بانفجارها، رغم تأكيد الطرفين الرسميين الإسرائيلي والفلسطيني أن آفاق المفاوضات لا تزال مفتوحة، وذلك على خلفية الموقف من الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية، وتحديداً غور الأردن، الذي تطالب الدولة العبرية، باستئجاره لعشرات السنين، حسبما ذكرت صحيفة «معاريف».


تصلّب حكومة بنيامين نتنياهو بإبقاء قوات الجيش الاسرائيلي في غور الأردن، حتى بعد الاتّفاق على إقامة الدولة الفلسطينية، تحت عناوين مختلفة، يعزّز أهمية تقديم صورة عن هذه المنطقة، وما تتمتع به من مزايا، إضافةً الى أهميته الاستراتيجية لجهة موقعه من التصور الأمني الإسرائيلي في مواجهة التهديدات.
غور الأردن سهل خصيب تبلغ مساحته 400 كيلومتر مربع، يراوح مستوى انخفاضه عن سطح البحر، بين 200 وأكثر من 400 متر، وهو أكثر المناطق في العالم انخفاضاً عن سطح البحر. ويقع على امتداد نهر الأردن بين فلسطين والأردن. ويعدّ القطاع الشرقي للضفة الذي يمتد على طول 120 كيلومترا، من منطقة «عين جدي» قرب بحر الميت جنوباً حتى الخط الأخضر جنوبي بيسان شمالاً، ويبلغ عرضه 15 كيلومتراً.
حدود الغور مع الأردن تمثّل نقاط تواصل مهمّة للتجارة والسفر مع بقية دول المنطقة، واستمرار السيطرة الإسرائيلية على قطاعات منه، ستعني أن الضفة ستبقى مطوقة من قبل إسرائيل.
منذ احتلال الضفة الغربية في حرب 1967، عدت جميع الحكومات الإسرائيلية منطقة غور الأردن بمثابة «الحدود الشرقية لإسرائيل»، وطمحت إلى ضمها إلى مساحة الدولة. ومن أجل تعزيز سيطرتها على المنطقة، أقامت في الأغوار، منذ مطلع سنوات السبعينيات، 26 مستوطنة، يعيش فيها اليوم نحو 7500 مستوطن، في مقابل نحو 50 الف فلسطيني.
وعلى مدار السنوات، أعلن عن الغالبية العظمى من أراضي غور الأردن، على أنها أراضٍ تابعة للدولة، وجرى ضمها إلى مناطق النفوذ التابعة للمجالس الإقليمية المعروفة باسم «عرفوت هيردين» و«مجيلوت»، التي تعمل في إطارها معظم المستوطنات في المنطقة. ورغم هذا العدد المتواضع للمستوطنين، إلا أن مساحة الأرض التي يسيطرون عليها تفوق ما يسيطر عليه الفلسطينيون، يُضاف إليها ما تسيطر عليه القواعد والمناطق العسكرية المغلقة.
وقامت اسرائيل ايضا بشق طرق عرضية تخترق الضفة الغربية لتصل منطقة الأغوار بالعمق «الإسرائيلي» في منطقة «غوش دان»، وأهمها: طريق «عابر السامرة» بالقرب من نابلس، الذي سيعطي المنتجين الإسرائيليين حرية الوصول إلى مطار بن غوريون، مما يسهل عليهم تصدير بضائعهم للأسواق الدولية، وطريق «بيت حورون».
تجدر الاشارة إلى أنه جرى تعريف هذه المنطقة، في إطار اتفاقية أوسلو، باستثناء جيب يضم مدينة أريحا والمساحات التي تحيط بها، على أنها مناطق C ، التي تسيطر عليها إسرائيل سيطرة تامة من الناحيتين الأمنية والإدارية.
وتحت شعار الأهمية الأمنية لغور الأردن، أخذت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتبنى المقولة التي أطلقها «يغآل ألون»، حول ضرورة الدمج بين ما يحقق الأمن من ناحية جيو ـــ استراتيجية، وإبقاء الدولة يهودية من ناحية ديموغرافية، عبر ضم أوسع مساحة من الأرض وأقل عدد من السكان، وعلى هذه القاعدة انطلقت الدعوات لفرض نهر الأردن حدوداً شرقية للدولة اليهودية.
وهنا لا بد من كلمة تتعلق بمفهوم أرض اسرائيل الكاملة، وهي أن عدم حضور هذا العنوان في خطاب نتنياهو، وبعض غيره، ضمن سياق مبررات التمسك بمنطقة غور الأردن، يعود لأسباب سياسية، من دون أن يعني ذلك أننا نقول إن خلفية التشدد للاحتفاظ بهذه المنطقة آيديولوجية فقط، بل عدم تظهيره في هذا السياق لا يعني عدم حضوره في خلفية مواقفهم، هم الذين يكثرون الحديث عن أرض الآباء والأجداد، والحق التاريخي.
ومن أبرز الأدلة على حضور العامل الآيديولوجي أنه حتى الذين يوافقون من الاسرائيليين على مبدأ الأرض مقابل السلام، وعلى حلول وسط لمعالجة إشكالية الأمن الاسرائيلي من البوابة الشرقية، يؤكدون في الوقت نفسه حقهم التاريخي في هذه المنطقة، لكن لأسباب تتعلق بالحفاظ على يهودية اسرائيل، وبمفهوم معين لحدود القوة في ظل الظروف الدولية والاقليمية الحالية، اعادوا انتاج خطاب سياسي تسووي مختلف عن مواقفهم التاريخية الايديولوجية الابتدائية.
اعتبارات استراتيجية
يمكن تلخيص الاعتبارات الاستراتيجية التي يقارب الاسرائيليون من خلالها غور الاردن، سواء تصريحاً أو ضمناً، بالنقاط التالية:
1- اعتبار غور الأردن حاجزاً أمنياً أمام «الجبهة الشرقية»، بحيث يُحاط عمق الضفة الغربية من خلال حاجزين: شرقي يضم غور الأردن، وغربي هو الجدار الفاصل الحالي. وهو ما يعدّ من منظور اسرائيلي الوسيلة الأنجع لمواجهة تعاظم تهديد خطر الصواريخ انطلاقاً من الضفة الغربية، وعمليات حرب العصابات، وما تسميه أيضاً إسرائيل بالارهاب.
2- السيطرة على الأحواض المائية الجوفية في الضفة الغربية، وخاصة الأحواض الشرقية منها، نظراً إلى أهميتها في تنمية المنطقة.
3- منع إقامة دولة فلسطينية كبرى، على ضفتي نهر الأردن، وهذا ما يجري من خلال الفصل الجغرافي بين فلسطينيي الضفة الغربية وفلسطينيي الأردن الذين يمثلون «عمقاً ديموغرافياً» لأي كيان فلسطيني مقبل.
4- الحفاظ على العمق الاستراتيجي لإسرائيل، وهو أمر سبق أن نظر إليه نتنياهو في احدى كلماته بالتركيز على العرض الضيق للدولة العبرية، الذي لا يسمح لها بالدفاع عن نفسها في مواجهة بعض الأخطار.
وهكذا تتلخص الرؤية الإسرائيلية تجاه غور الأردن بـ «الحفاظ على شريط طويل عريض على امتداد الغور من أقصى الشمال عند بلدة الشونة، وصولاً إلى شرق مدينة إيلات، مع السيطرة الكاملة على الشاطئ الغربي للبحر الميت، ووضع اليد على ثرواته المحلية».

التصلب تجاه الغور
ينطلق الموقف الإسرائيلي المتصلب في الاحتفاظ بمنطقة غور الأردن، من خلفيات متعددة، من ضمنها البعد الأمني والاستراتيجي، وهو ما عبّرت عنه دراسة سابقة أعدها رئيس مجلس الأمن القومي السابق، اللواء غيورا ايلاند، التي تناولت خلفيات الموقف الاسرائيلي المنادي باستمرار احتلال الغور بغض النظر عن العنوان الذي سيتخذه، وآخر هذه العناوين استئجاره لعشرات السنين. ثم أتت التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة العربية لتضفي أبعاداً جديدة على خلفيات الموقف الاسرائيلي.
عندما أجريت المفاوضات السابقة وأثمرت اتفاق أوسلو كانت اسرائيل تشخِّص نوعين من التهديدات:
1- تهديدات عسكرية تنبع أساساً من تطورات يحتمل حدوثها في الأردن والعراق، فضلاً عن تهديدات أخرى مصدرها الجبهة الشرقية.
2- تهديدات ناتجة عن المقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزّة. وقد أخذ الردّ على هذه التهديدات شكل عائق، سياج أو جدار، وجهود استخبارية.
في ظل هذه الظروف، من شأن نشاط معادٍ مصدره الضفة الغربية أن يشلّ قدرة إسرائيل على تعبئة قواتها تمهيداً لإرسالها إلى مرتفعات الجولان، أو لصدّ الهجمات على بطاريات صواريخها من طراز «أرُو» المضادّة للصواريخ البالستية أو على المنظومات الأخرى التي تعدّ حيوية في مواجهة عسكرية مع أعداء يملكون قدرات متطورة. ويمكن لمثل هذا النشاط شلّ قدرة إسرائيل على تعبئة قواتها البرّية، بل وبعض نشاطاتها الجوية وطوافاتها المخصصة لإخلاء الجرحى إذا استطاع الفلسطينيون السيطرة على السهل الساحلي بأكمله بواسطة صواريخ متطورة مضادّة للطائرات. وهذا يعني أنه عند دراسة الترتيبات الأمنية في الضفة الغربية، يتعيّن أن تتجاوز المقاربة حدود حاجات إسرائيل المرتبطة بالفلسطينيين.
وبناءً عليه، يرى القادة الاسرائيليون أنه بالرغم من شرط إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، لكن التهديد الحقيقي لم يعد مصدره الدبابات بل المقذوفات والصواريخ المضادّة للطائرات والصواريخ المضادّة للدبابات. والقاسم المشترك بين كل ما تقدم هو سهولة تهريب الأسلحة وصنعها خفيه، كما هو الحال الآن في غزّة. ولا يمكن إقامة نظام مراقبة يمكنه الحيلولة دون حصول ذلك، فضلاً عن أن التهديد الذي تمثله هذه الصواريخ لإسرائيل أخطر بكثير من التهديد الذي تمثله الدبابات أو الطائرات.
وفي المقابل، ثمة وسائل متنوعة ممتازة لمواجهة الدبابات والطائرات، لكن ما من وسيلة لمكافحة تهريب هذه الصواريخ أو صنعها محلياً. بناءً على ذلك، تكون عبارة «دولة منزوعة السلاح» مفهوماً بلا مضمون تقريباً ما لم يقترن بنظام مراقبة ومنع تهريب هذه الأنواع من الأسلحة إلى الضفة الغربية، أو المنع من تصنيعها فيها، وهو ما يتحقق من خلال السيطرة الفاعلة على غور الأردن.
أمّا لجهة خلفية رفض اسرائيل الاعتماد على قوات دولية للقيام بهذه المهمة، من خلال الحضور الدائم في غور الأردن، وعلى معابر الدولة الفلسطينية الشرقية. بغض النظر عمّا اذا كان هناك خلفيات غير منظورة لهذا الموقف، تتصل بالأطماع الاسرائيلية في هذه المنطقة، ترى الدولة العبرية ان تجربة الرهان على القوات الدولية لحفظ أمن إسرائيل، ومنع تعاظم قوة فصائل المقاومة، ثبت فشلها تحديدا في لبنان بعد حرب عام 2006، وغزة، (معبر فيلادلفيا)، وهو أمر لا تستطيع اسرائيل تحمل تداعيات فشله، عندما يتعلق بالضفة الغربية لقربها من الوسط الاسرائيلي الضيق، ومن المدن الاسرائيلية ومطار بن غوريون.




أنواع التهديدات


أظهرت الأحداث التي وقعت في السنوات الأخيرة حدوث تغيّر ملحوظ في أنواع التهديدات التي يمكن توقعها من الدولة الفلسطينية، إذا أقيمت هذه الدولة، أو من الكيان الفلسطيني القائم. تضمّن هذا التغيير اللجوءَ إلى أنواع ثلاثة من الأسلحة أوجدت مشكلات يصعب التعامل معها إلى حدّ بعيد:
1- سيكون ضرب كامل أراضي دولة إسرائيل أمراً سهلاً بواسطة المقذوفات والصواريخ على اختلاف أنواعها المنتشرة في مختلف أنحاء الضفة الغربية.
2- ستكون الصواريخ المتطورة المضادّة للطائرات قادرة على إسقاط طائرات الركاب الكبيرة التي تهبط في مطار بن غوريون الدولي، فضلاً عن الطوافات وحتى الطائرات الحربية.
3- سيكون في مقدور الفلسطينيين استخدام الصواريخ المضادّة للدبابات، التي تُعدّ شديدة الفاعلية حتى مدى يصل إلى 5 كيلومترات في ضرب مواقع استراتيجية مثل الطريق السريع 6، الذي يمتد من شمال إسرائيل إلى جنوبها، فضلاً عن أهداف أخرى تتجاوزه، مثل مواقع حساسة في الدفاع عن إسرائيل.