دمشق - العيون ترحل إلى الغوطة الشرقية كل يوم. ينتظر السوريون سماع إنجازات حقيقية تعلن أخيراً تحرير مناطق كاملة احتلّت نشرات الأخبار جرّاء الاشتباكات العنيفة التي شهدتها على مرّ أشهر طويلة. لكن لا نيّة لدى الدولة السورية بالتسرع في إعلان مناطق آمنة، ما دامت بعض الجيوب داخل هذه المناطق ترزح تحت سيطرة المسلحين، فيما يعتبر تكتيكاً عسكرياً يتبعه الجيش السوري منذ بدء الأزمة ترك بعض البؤر في عدة مناطق مطوّقة دون تقدّم برّي للسيطرة عليها.


الحي الغربي من داريا مثالاً، حيث ما زالت مدفعية الجيش تدك المنطقة بتقطع، فيما يعلن عسكريون حاربوا في البلدة الشهيرة أن عملهم الحقيقي انتهى داخل داريا، وانتقل معظمهم باتجاه حي القابون. لا تقدّم يُذكر في المعضمية المتاخمة لداريا. اشتباكات متفرقة على تخوم الحي الشمالي، ضمن محاولات أفراد من عناصر الجيش التقدم برياً والانسحاب سريعاً إلى تحصينات الجيش في محاولة لاستكشاف طبيعة تحصينات المسلحين. لا يسيطر الجيش إلا على الحيّين الشمالي والشرقي من البلدة.
وباتجاه شمالي دمشق، لم يبقَ حجر على حجر في القابون وحرستا، وهذا ما يبيّنه موقع google earth بفجاجة المقارنة بين صورة القابون عام 2012 مع صورة جديدة للحي عام 2013 وقد سوّيت بالأرض، في حين تظهر بعض المباني داخل الحي وقد تضررت بشكل بالغ، بينما يواصل الإعلام الرسمي تكرار العبارة الشهيرة: «يواصل جيشنا الباسل تقدمه في كل مناطق جوبر وبرزة». ما يسمّى «برج المعلمين» في جوبر، والذي يتمترس فيه القناص بين فترة وأُخرى، أصبح البرج الأشهر في حياة الدمشقيين. مظهره يوحي بالوحشة، مغلّف بالسواد وآثار الحرائق والقذائف، لكن ما زال القناص يكافح من أجل زرع الموت في حي العباسيين.
على طريق المطار يبدو المشهد أكثر دقة وقوة. للجيش السوري هُنا نخبته القادرة على انتزاع مناطق فرض عليها القتال فيها بناءً على هجوم المسلحين على الحواجز المرابطة في المنطقة. يتزامن التقدم البري مع قصف مدفعي كثيف على قرى دير العصافير، وشبعا، والنشابية، وحتيتة التركمان. أما بلدة القاسمية، فهي تشهد أعنف المعارك في الغوطة الشرقية، بسبب استماتة عناصر المعارضة المسلحة في الإبقاء على منفذ لهم على طريق المطار، ما يعرقل تقدم الجيش داخلها.
وفيما تقع جبال الزبداني بدورها تحت مدفعية الجيش الذي يحصر مسلحيها في داخل الجبل الشرقي، بانتظار أمر استكمال التقدم العسكري، يبدو لهضبة القلمون حصتها من العنف الدائر، إذ أعلن «لواء الإسلام» عملية «الخضوع لله» في هضبة القلمون، والتي تهدف إلى عزل دمشق عن المحافظات الشمالية، وفتح خط إمدادات لمقاتلي المعارضة عبر الأراضي اللبنانية. وفي الوقت نفسه تستمر قذائف الجيش السوري في دكّ مواقع تجمع المسلحين دون تقدم بري، على كل من تلال ريما ومزارع الصالحية في محيط يبرود. يتزامن ذلك مع القصف المستمر لحي النسيم ضمن بلدة النبك التي يطوّقها الجيش السوري.
«جيش محمد» في سوريا
إلى ذلك، تواصل الكتائب المسلحة على الأراضي السورية رفضها تمثيل «الائتلاف» المعارض في مؤتمر «جنيف 2» المتوقع عقده خلال الشهر القادم. «لواء توحيد العاصمة» دعا إلى توحيد الكتائب جميعها، ضمن إطار إسلامي واضح يقوم على أساس تحكيم الشريعة وجعلها المصدر الوحيد للتشريع، رافضاً الاعتراف بأي من الحكومة المفترضة أو «الائتلاف» أو أي تشكيل خارجي ينشأ من دون الرجوع إلى الداخل. موقف الكتائب الرافضة الاعتراف بالمعارضة الخارجية أرخى بظلاله على السوريين المترقبين حلّاً، لا سيما بعدما اتهم رئيس «الائتلاف» أحمد الجربا متطرفين أجانب بسرقة الثورة، ما يعني عدم سيطرة فعلية من أحد على مسلحي الداخل لإخماد النار السورية المشتعلة. وفي ضوء ما أعلنه عدد من قادة الكتائب المسلحة شمال البلاد، عن تشكيل جيش «سنّي» لتوحيد أكبر الفصائل تحت لوائه، يرزح السوريون تحت نيران الاحتمالات. الجيش الذي يدعى «جيش محمد» يقتصر أفراده على «أهل السنّة والجماعة»، ضمن خطة وضعها رجال دين سلفيون وأطلقوا عليها اسم «مشروع البنيان المرصوص». ورغم ما تشيعه قيادات «الجيش الحر» عن المزاج العلماني الذي يحكم عناصره، بالمقارنة مع تنظيمات أُخرى كـ«جبهة النصرة»، و«دولة العراق والشام الإسلامية»، تنتمي جميع الألوية الموقعة على بيان تشكيل «جيش محمد»، إلى «الجيش الحُر»، باستثناء «جبهة النصرة».
في السياق، انضمت مجموعة جديدة، أيضاً، إلى التنظيمات التي سحبت اعترافها بـ«الائتلاف»، واتهمته «بالانحراف عن مسار الثورة وتهميش القوى الفاعلة على الأرض». وقال المدعو عمار الواوي، في بيان نشر على موقع يوتيوب: «تعلن كافة الفصائل المنضوية تحت قيادة الجمعية العمومية في الداخل السوري عدم الاعتراف بالائتلاف في تمثيل الثورة السورية وعدم الاعتراف بقيادة الأركان العامة المتمثلة في سليم إدريس ومن حوله».




انفجار جامع رنكوس


تعود بلدة رنكوس في القلمون في ريف دمشق إلى الواجهة بعد انفجار سيارة مفخخة وسطها، ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات. الانفجار وقع أمام جامع السهل أثناء خروج المصلين من صلاة الجمعة. وقد نسب مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» المعارض، رامي عبد الرحمن، مكان الانفجار إلى محيط جامع خالد بن الوليد في رنكوس. ولفت في تصريح إلى وكالة «فرانس برس» إلى الانتماء الطائفي لسكان المنطقة المستهدفة، مشيراً إلى أن ضحايا الانفجار يتجاوزون 30 شخصاً. وأضاف أنّ سلاح الجو السوري شنّ غارة جوية على التلال الشرقية لمدينة النبك في ريف دمشق، فيما لم ترد معلومات عن أي خسائر بشرية. الانفجار وقع في اليوم التالي للاشتباكات العنيفة التي شهدتها بلدة تلفيتا المتاخمة لرنكوس، ما أدى إلى استنفار كامل على أطراف بلدتي صيدنايا وتلفيتا. ويتركز مسلحو رنكوس في مزارع البلدة في الجهة الغربية التي تدعى الزنانير.