دمشق - لا تتحدث عن السياحة في أسواق دمشق القديمة، فالجميع سوف يجيب بابتسامة هازئة: «نحن صرنا سيّاح جوع وتشرّد!». حين تدخل من ساحة باب توما باتجاه العمق التاريخي للمكان، تتجاوز الحراسة المشددة بحثاً عن وجوه الزوّار، تلتفت إلى الكنائس والمآذن الدمشقية والبيوت المتراصة، فتغيب عن الذهن حمامات الدم اليومي.


تقطع من طرف الباب العتيق لتشاهد الشباب والشابات يحتلون مساحات الحارات والشوارع، وتتوافد أسرٌ إلى الأزقة القديمة دون توقف. هي السرعة إذاً، والتخوّف من قذيفة أو عبوة ناسفة. هنا في أي بقعة من الشام القديمة وجد الناس متنفساً في قلب العاصمة. رحل الطلاب الأجانب المستأجرون في البيوت الدمشقية، ولم تعد المجموعات السياحية تمرّ من هناك. خسرت أسواق الأنتيكة والمستحاثات الدمشقية زوّارها إلى أجلّ غير مسمّى، حتى المقاهي باتت تخفض أسعارها كي لا تغلق أبوابها في وجوه العابرين من أهل البلد.
قرب بائع «الكرواسان» الشهير في باب توما تصطف محال بيع التحف والفسيفساء والقطع القماشية المنقوشة بالقصب والخيرزان، وتمتد بطول كيلومترات ضيقة حتى سوق «البزورية». لم تمنع المسافة وهيبة التاريخ مساحات الغبار من تغطية تفاصيل المعروضات. الناس تمشي وتشاهد للحظات دون أن تبتاع شيئاً، «كنّا نبيع كيلو فضة يومياً للأجانب والسياح من كل مكان، كما ترى هذه الأطواق من بعض الأحجار الكريمة لم تكن تهدأ في محلي، تباع جميعها... أما اليوم فلا أبيع بعض الغرامات من الفضة كل عشرة أيام»، يروي إبراهيم ناصح لـ«الأخبار»، الذي يستأجر محلاً صغيراً لبيع الفضة والإكسسوارات التي يصممها بنفسه. «أفكّر جديّاً في أن أقلب مهنتي إلى بيع الفلافل. على الأقل لا أخرج أخر الشهر مكسوراً ومديناً»، يضيف. فالمحل الذي يتحدث عنه إبراهيم لا تتجاوز مساحته مترين طولاً، ومتراً عرضاً، وتصل أجرته إلى حوالى عشرين ألف ليرة سورية.
لا يغيب الشجن السوري عن أي حديث، سواءً كان عن السياحة أو الفضاء الخارجي أو الوضع الميداني، «فالغلاء والخوف هما ألف باء الحياة السورية اليوم»، هذا ما يؤكده الحاج أكرم عبود (حرفي فسيفساء). ندخل محله الصغير في حي «القشلة» القديم ونعبر إلى صناديق الصدف وعلب الهدايا وألواح الفسيفساء. «حركة البيع انخفضت قبل الأزمة بسنة تقريباً، لم تعد هذه الأشياء الدمشقية تستهوي العرب والأجانب، رغم صعوبة تأمين المواد الأولية وضيق الحال، لكن أملنا بنهاية الأزمة هو من يجعلنا نبقى ونبيع ولو قطعة طيلة النهار»، يروي الحاج أكرم لـ«الأخبار». ويشير إلى أنّ دخل المحل الصافي يصل إلى ثلاثين ألفاً شهرياً قبل عام 2011، أما اليوم فلا يشكل هذا المبلغ شيئاً بالمقارنة مع ما تغيّر من قيمة شرائية، هذا إذا تأمن نصفه! رغم ذلك يفتح محله يومياً مع أصدقائه وجيرانه في قلب الشام القديمة وهو يبتسم: «منذ أسبوع، لولا السيارة التي احتضنت القذيفة التي سقطت مع ثماني قذائف هنا، لكنت الآن في ديار الحق».
رقابة «اللجان»!
تغيب الرقابة السياحية والتموينية عن المقاهي والتجار الكبار في أسواق الصاغة والأنتيكة والمستحاثات الدمشقية، ويقفز إلى الواجهة هلع الناس مع تحرك «اللجان الشعبية» داخل هذه الأماكن على الدراجات النارية، وابتزاز بعضهم لأصحاب المحال أو المهجرين ومنعهم من استئجار بيوت أو غرف ما لم يكونوا من طائفة معينة! حتى هنا في الزقاق القديم تجد نفوراً عاماً من تلك الظاهرة: «ما بيهمنا العصابات المسلحة... بس بيهمنا ناكل بيض وجاج»، يعلق أحد الزبائن أمام بقالية صغيرة خلف الجامع الأموي. هكذا، يغيب القانون، بينما جبهات الأرياف تشتعل وتزدحم الساحة أمام الجامع الأموي الكبير بالناس وبعض العناصر المسلحة.
لا يوجد أي أجنبي هنا، معظمهم مهجرون، والنصف الآخر جاء من المناطق البعيدة عن دمشق قليلاً ليتنشق هواءً هادئاً رغم طول المسافة وتناسل الحواجز.
وعلى اختلاف أهميتها الدينية والتاريخية، تعيد أماكن العبادة الطمأنينة إلى السوري، فهو اليوم في أمسّ الحاجة إلى معجزة تحميه من طيش الموت، أو السرقة أو النشل وسط سوق الحميدية أو البزورية. وإذا وقعت الواقعة فليس هنالك من يحمي! حتى لو كنت بالقرب من مقام «الست رقية» المغلق بعد أن سقطت عليه قذائف هاون منذ أشهر. سوف تفتش بشكل دقيق، تماماً كما تفتش عند «خان أسعد باشا» و«قصر العظم» وسواهما من الأماكن الدمشقية، التي كانت تعبق بالهواء الغربي والوجوه الأجنبية والأنشطة التنموية والسياحية الكثيرة. اليوم تجدها محمّلة «بالسوريين المهجرين من مناطق خارج دمشق. كان الأجانب يشكلون 80 في المئة، لكن أخبار الفضائيات أرسلتهم إلى بلدانهم، وأعادت السوريين إلى أمكنتهم كسيّاح من الدرجة الخامسة، باستثناء بعض الطلاب مثلاً في المركز الثقافي البريطاني ما زلوا هنا»، تقول ليلى حمدان (ناشطة تطوعية) لـ«الأخبار». وتؤكد أن «الأمان الوحيد الذي يأتي لزوار الشام القديمة، لا تمنحه الدولة بل أهل الأحياء وسكانها».
عند المغيب يزداد الحرص الأمني على باب شرقي وسط عتمة المدخل المؤدي إلى حارة العبّارة، مثله عند سوق «المناخلية»، و«البزورية»، ومحيط قلعة دمشق. كذلك الأمر قرب قوس «المريمية» وكنيسة الصليب. على كل المفارق رجال يحملون أجهزة لاسلكية. بعض المحال مغلقة قرب كنيسة الزيتون، والبعض الآخر وضع لافتة «برسم التسليم الفوري»!
هو السوري داخل وخارج السور القديم ذاته، يعيش للمرة الأولى سياحة حربية على إيقاعات المدافع والطائرات والانفجارات، يمارس هذه الطقوس بحرص يومي، ولو تسكّع دون أن يشتري شيئاً أو لا يجلس في أي مقهى، ربما تأخذه قذيفة عابرة لا تستهدف في دمشق إلا هويتها وأهلها، لا يعرف مصدرها «إرهابيين ضربوها» كما تعود الناس أن يقولوا. تتحول السياحة إلى مغامرة وسط العاصمة بعد أن «ذهب معظم عناصر اللجان المسؤولة عن حماية الأحياء الدمشقية القديمة، المسيحية خصوصاً، للدفاع عن معلولا»، كما يقول حمادة سميسم (مصور فوتوغرافي) الذي يعيش وسط أحياء باب شرقي.
دمشق القديمة لم تعد قِبلة السيّاح. أغلب من يعتمد على تلك السمعة غيّر مهنته اليوم إلى بائع فطائر أو «لجان شعبية» أو محل «موبايلات». استياء عارم من ضعف تأمين التاريخ المتبقي على كتف المعركة، فالجميع يطلب من الشام أن تعطيه وهي لا تتوقف عن نزف الرعب والتفتت.