أصعب ما في الحرب التي تشهدها سوريا هو شمولها؛ فهي لا تستهدف الحجر والبشر فحسب، بل إن تأثيراتها تمتد لتطاول مستقبل الشباب السوري ومستوى تعليمهم. اليوم شباب سوريا من ضمن شرائح شعبها الأخرى مهددون بشتى أنواع الأخطار، من القصف والتفجيرات التي تعترض طريقهم في ذهابهم إلى مدارسهم وجامعاتهم، إلى التوترات المتنقلة بين المناطق التي تشغلهم عن الاهتمام بتحصيلهم العلمي.


العلم نفسه صار في عداد الضحايا؛ فهو لا يعطَ كما يجب إعطاؤه، وخاصة في الكليات العلمية التطبيقية. ولعل أكثر الاختصاصات تضرراً، والأكثر أهمية وحيوية لأي بلد هو علم الأرض (الجيولوجيا)، الذي زادت أهميته بعد إعلان الاكتشافات الغازية والنفطية الضخمة قبالة الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط. تتطلب الدراسة العملية لهذا العلم الخروج في جولات حقلية منتظمة إلى الطبيعة لدراسة التكشفات الصخرية والظواهر الجيولوجية المميزة، وهو أمر لم يتحقق منذ سنتين في مختلف الجامعات السورية، «لدواعٍ أمنية وحرصاً على سلامة الطلاب»، كما أفادت مصادر جامعية. وسيم، طالب جيولوجيا في جامعة تشرين في اللاذقية، يقول لـ«الأخبار»: «معارفنا متواضعة، لم نخرج هذه السنة إلا في جولة حقلية واحدة إلى مكان قريب من الجامعة داخل المدينة». وكانت هذه الجولات تنظَّم إلى سلسلة الجبال الساحلية، لكن المواجهات العسكرية والمعارك التي بدأت داخل المدينة في 25 آذار 2011، وانتقلت إلى أكثر من بلدة وقرية، من الحفة في تموز 2012 مروراً بقرى الريف الشمالي كقسطل معاف، وصولاً إلى بلدة سلمى، التي لا تزال خاضعة لسيطرة الكتائب الإسلامية المعارضة، حالت دون ذلك. ومدينة اللاذقية وجامعتها أكثر أماناً من بقية المدن والجامعات السورية، فقد توقف الدوام في جامعة البعث في حمص معظم فترات العام الدراسي الماضي، وشهدت جامعة حلب تفجيراً إرهابياً في أول أيام امتحان الفصل الأول في كانون الثاني الماضي، راح ضحيته 25 طالباً. وبالنسبة إلى جامعة دمشق، وجدت «الأخبار» صعوبة في التحدث إلى طلاب التزموا الدوام فيها كاملاً. هذه هي حال ثراء، الطالبة التي تقول لـ«الأخبار»: «لم أداوم في الفصل الثاني بسبب الظروف الصعبة والقاسية المعروفة»، وعن الجولات الحقلية التي قاموا بها، تضيف: «لم نخرج هذه السنة ولا السنة الماضية في أية جولة». هذا يعني أن هناك طلاباً سيتخرجون دون معارف عملية، وخصوصاً مع انعدام وجود التجهيزات المخبرية التي من شأنها أن تشكل نماذج تحاكي الطبيعة. وهذا أشبه بالطبيب الذي يتخرج دون أن يعاين مريضاً. يبلغ عدد طلاب السنة الرابعة المرشحين للتخرج في جامعة تشرين 51 طالباً، انقطع عشرة منهم عن الحضور، إما انقطاعاً كلياً أو حضروا حضوراً متقطعاً بسبب وقوع مناطقهم تحت سيطرة قوات المعارضة، أو لأنها تشهد مواجهات مسلحة، ففضلوا البقاء بجوار أهلهم أو النزوح معهم خارج البلد. وحضر البعض الآخر دون نية التخرج خشية الذهاب إلى الخدمة العسكرية الإلزامية غير المحدودة المدة، في ظل عدم تسريح المجندين والاحتفاظ بهم، إضافة إلى طلب آخرين لخدمة الاحتياط. هذه الأوضاع ستقلل من أعداد المتخرجين سنوياً وتؤثر على مستواهم، وخاصة بعد إلغاء الماجستير لهذا العام في بعض الاختصاصات، ومنها الجيولوجيا في جامعة تشرين، في قرار غير مسبوق. بعد أن شهد العام الماضي فورة في أعداد طلاب الماجستير، وتحديداً الشبان الذين وجدوا فيه فرصة لتأجيل الالتحاق بخدمة العلم لسنتين أملاً في أن تهدأ الأجواء. وبحسب دراسة كشف عنها الخبير الاستراتيجي الدكتور عماد فوزي الشعيبي، اكتُشف 11 حقلاً غازياً ونفطياً (الأغلب غازي) قبالة الشواطئ السورية، من شأنها أن تضع هذا البلد على لائحة دول العالم الأكثر غنى بالغاز. فإذا لم تكن هذه الثروات المغرية المكتشفة من عوامل اندلاع الحرب التي استغلت حراكاً سلمياً في البداية، كما حصل في ليبيا حسب وثائق كُشف عنها بعد ضربات «الناتو» وإسقاط القذافي (ليبيا: حرب الغاز، «الأخبار»، عدد 1869)، فإنها بلا شك من عوامل الاستثمار الغربي في الحراك السوري، ومن عوامل إطالة أمد النزاع، حتى يدخل كبند من تحت طاولة التفاوض بين الدول الكبرى الراعية للأطراف المتصارعة، التي ستعمل بواسطة شركاتها ذات التقنيات المتطورة على استخراج الثروات النائمة في عرض البحر السوري، حيث تصل عائدات هذه الشركات إلى نحو 60% من الكميات المستخرجة، في حين أن الكوادر السورية التي يحتاجها البلد لا تحصل على التعليم الصحيح اللازم كي يؤهلها للمشاركة الفعالة في مشاريع حيوية كهذه.