حلب - مخيم حندرات هو توأم مخيم النيرب، الذي انتفض شبانه بعد شهرين من الحصار الخانق وهاجموا حواجز المسلحين وتمكنوا من طردهم وتأمين طريق آمن إلى أقرب نقطة للجيش السوري توصل إلى حلب، فيما تداعب فكرة حمل السلاح عشرات الشبان، مقتدين بتجربة أشقائهم في مخيم النيرب.


هو المخيم الذي سئم سكانه الخمسة آلاف النزوح الثاني، وتغيب قضيتهم في الإعلام العربي والعالمي، الذي رغم تركيزه على الحدث السوري لكنه لم يشر إلى المخيم إلا بوصفه «أرضاً حرّرها الجيش الحر»، ونقل سكانها بالباصات إلى حلب!
لا يقبل «توحيد»، وهو من شبان المخيم، الوصف. «أي باصات؟ لقد طُردنا واقتُلعنا من مخيمنا، وسرنا على الأقدام تحت أزيز الرصاص والقذائف. قصة الباصات تمثيلية مفبركة. نزحنا بالقوة نزوحاً أبشع من نكبة 48»، يروي بحنق لـ«الأخبار».
حصلت كل أسرة على غرفة في المدينة الجامعية في حلب، ويصل عدد أفراد بعض الأسر إلى عشرة أفراد يحشرون في الغرفة كـ«السردين»، وفق وصف أحدهم، الذي قال: «ننتظر المساعدات ووجبات الطعام وبعضها غير صالح للاستهلاك. نحن بلا عمل وبلا أي دخل، والمساعدات التي تصلنا لا تكفي لشراء الخبز».
«أم خضر»، وهي زوجة شهيد، قالت: «استشهد زوجي دفاعاً عن حلب. زوجي ليس شبّيحاً، زوجي بطل دفاع عن المخيم، لكي يبعد عنّا شبح التهجير الذي ذقناه والله أصعب من نزوح 1948. مسلحون أخرجونا بثيابنا من بيوتنا ولم يسمح لنا بحمل حليب الأطفال».
«أم خضر» حصلت على غرفة في مركز الإيواء في المدينة الجامعية: «ليس لدينا أي دخل، كل العالم تخلى عنّا، لا يوجد أي جهة فلسطينية وقفت معنا، فقط بعض الجمعيات الخيرية السورية، والدولة التي أسكنتنا في المدينة الجامعية».
الاحتجاج على تقصير وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) واعتصام أطفال المخيم، أثمر تقديم مساعدة مالية في عيد الأضحى بلغت ستة آلاف ليرة وسلال غذائية متفاوتة الكمية، ورديئة النوعية.
محقق سعودي وقاضٍ شيشاني
يروي «أبو علي» وهو يستند إلى عكازه قصص الأسر، في حلوها ومرّها. يذكر «القفشات» التي حصلت معهم، وكان ضحيتها أحد أبناء المخيم و«أكثرهم سذاجة»، الذي وقع بين يدي «جلاد» سعودي الجنسية «مسّه الشيطان»، وفق تعبير أبو علي.
«أبو علي» يحتفظ بكيس نايلون صغير سقط من الجلاد السعودي، تبيّن أنه يحوي «حبوب وش»، وهي أدوية مهدئة لا تُصرف إلا بوصفات طبية لاحتوائها على مواد مخدرة. ويقول مبتسماً: «في الحقيقة لم يكن يهمّني أثناء جَلد جارنا سوى مدّ يدي بأسرع وقت تحت طبليّة الخشب التي ننام عليها لكي أحتفظ بكيس الدواء، ولكن مفاجأتنا كانت أنها حبوب مخدّرة».
معظم «الأسرى» أطلق أبو عمر الشيشاني سراحهم بعد أسابيع، لأنه ثبت لمحققيه السعوديين أن سكان حندرات ليسوا من «الفئات الضالة».
بالصدور العارية
الهجوم الأول على المخيم حصل في نهاية شهر كانون الأول من العام الماضي؛ إذ سيطر المسلحون على المخيم لمدة أسبوع واضطروا إلى الخروج منه بعد اندلاع تظاهرة شعبية غاضبة، تمكّن خلالها الشبان الفلسطينيون بصدور عارية من انتزاع أسلحة بعض المسلحين وطردهم بالحجارة من أزقّة المخيم. ولم يسترجع هؤلاء أسلحتهم إلا بعد قرار الانسحاب من المخيم وتركه لأهله.
في الهجوم الثاني في نيسان الماضي تهاوت دفاعات المخيم، وانسحب كذلك الجنود السوريون المدافعون عنه، واستشهد بعضهم، وسيق مئات الفلسطينيين إلى «مراكز التحقيق» من مختلف الأعمار، بعضهم تجاوز السبعين من عمره، وكان يحلو للمسلحين تصويرهم، والكلام أمام الكاميرات: تحرير مخيم حندرات وأسر عشرات الشبيحة من كتائب الأسد!
«أبو غضب» أحد شبان المخيم يتوق إلى حمل السلاح مجدداً لتحريره: «حاولنا أن نكون على الحياد. فنحن قضيتنا هي تحرير فلسطين والعودة، لكن المسلحين أصروا على محاربتنا أو تحرير المخيم كما يتشدقون، وكانت النتيجة تهجيرنا ونشوء سوق في مدينة أعزاز لبيع المسروقات من المخيم تسمى سوق حندرات»، يروي لـ«الأخبار».
«الشبان متحمسون للعودة إلى المخيم وحمل السلاح دفاعاً عنه، لم يكن لدينا ما يكفي من السلاح أو الذخيرة، ولولا ذلك لما تمكنوا من احتلال المخيم»، يقول أبو حيفا (اسم مستعار). ويضيف: «كنا نحو خمسين شاباً فقط، حملنا السلاح للدفاع عن المخيم. لدينا بنادق كلاشنيكوف فقط و150 طلقة لكل بندقية، وخمس قنابل يدوية جرى شراؤها من مسلحي المنطقة، ومع ذلك صمدنا لشهور طويلة في مواجهة مسلحي النصرة والحر».
الغضب كبير على حركة حماس، فعناصرها ومؤيدوها في مخيم حندرات عملوا «عواينية» لـ«جبهة النصرة»، وفق أبي حيفا: «كانوا يجمعون المعلومات عن تحركات اللجان الشعبية المدافعة عن المخيم وقاموا بدلالتهم على بيوتهم بيتاً بيتاً، لأسرهم ونهب بيوتهم، بينما ينظر المسلحون إلى كل فلسطيني على أنه شبيح يحلّ دمه».
المدافعون عن المخيم انسحبوا إلى السجن المركزي القريب. أحدهم، ويدعى «عبد الرحمن مصطفى» أصيب بطلق ناري في ساقه، وخشي تفاقم إصابته نتيجة عدم توافر العلاج، فقرر اختراق الحصار بمفرده وعلى مسؤوليته. سار منتصف الليل من السجن متسللاً خلف حواجز المسلحين، ليصل في الصباح إلى السكن الجامعي ويستقبل استقبال الأبطال.