الخرطوم - «الأخبار»

بينما تخوض الحكومة في الخرطوم معركتها مع معارضيها بعزم واضح على القمع والتشبث بالسلطة، تتجه غالبية العواصم العربية، سواء القريبة منها أو الحليفة، الى توجيه انتقادات، منها المُبطن والصريح لتعاطيها مع الأحداث.

وكان متوقعاً ان تهتم وسائل الإعلام المصرية الرسمية بانتقاد الخرطوم، حيث أتاحت المساحات الواسعة للناشطين المعارضين، التضامن بين شباب الثورة المصرية ونظرائهم في السودان. ومن ذلك تصريحات مؤسس حركة 6 ابريل، أحمد ماهر، أمس، التي أكد خلالها أن الانتفاضة السودانية نتاج عمل الشباب لسنوات، قائلاً باللهجة المصرية إن «الانتفاضة في السودان مش صدفة، فيها حركات شبابية وناس كتير بتحاول بقالها سنين ضد نظام البشير الفاسد المستبد».
ويعتقد متابعون أن موقف الحكومة السودانية من الأحداث الأخيرة في مصر ربما سيؤدي الى فقد السند المصري في المعركة الحالية، حيث بدت الخرطوم متعاطفة مع نظام الاخوان المسلمين في جارتها على النيل، قبل عزل الرئيس محمد مرسي، وذلك باعتبارها حكومة منتخبة وشرعية، إلّا أن مراقبين يرون في دعم «إخوان السودان» المعلن لإخوان مصر رغبة منهم في خلق نظام اسلامي في شمال وجنوب الوادي (النيل).
ورغم صمت قطر الرسمي ازاء ممارسات اصدقائها في السلطة السودانية، وصف المفكر الفلسطيني الواسع النفوذ المقيم في الدوحة، عزمي بشارة، النظام السوداني بأنه مريض، لأنه يطلق النار على المتظاهرين، وتابع في تغريدة على «تويتر»، أنه «في هذه المرحلة الدموية من تاريخ النظام العربي المريض تنتشر عدوى إطلاق النار على المتظاهرين في الرأس والصدر الآن في السودان».
ورغم تحليلات بعض المراقبين من أن ما يجري في السودان جزء من مسلسل التنافس بين قطر والسعودية، الذي رأى البعض إحدى صوره في إقفال السلطات السودانية أمس مكتب قناة «العربية» التلفزيونية السعودية في الخرطوم، احتجاجاً على طريقة تغطيتها للتظاهرات، بدت «الجزيرة» القطرية غير مهتمة كثيراً بالحدث السوداني في ظل استمرار زخم تغطيتها للحدث المصري.

صمت قطر
في الوقت نفسه، رأى المحلل السياسي السوداني، سامي عبد العاطي، أن صمت قطر تجاه حلفائها في الخرطوم فيه «مؤشرات واضحة على عدم رغبة قطر في دعم نظام الخرطوم، بانتهاج سياسة القوة ضد المتظاهرين».
بيد أن الصمت الرسمي السعودي على ما يحدث في الخرطوم، يُنظر اليه، حسب عبد العاطي، على انه «مهلة لدراسة الأوضاع ومعرفة مدى قوة الاحتجاجات واتساعها، قبل اتخاذ قرار بكيفية التعامل مع الأمر».
ويسود اعتقاد واسع بأن السعودية ستكون الرابح الأكبر من ذهاب نظام البشير، الحليف الاستراتيجي لإيران في المنطقة بعد سوريا. وبزواله يزول مصدر قلق أساسي للرياض في البحر الأحمر، الذي استباحته السفن الإيرانية في طريقها من والى ميناء بورتسودان.

الى مزبلة التاريخ
والشاهد ان الاحتجاجات التي بدأت كرفض قاطع على الأوضاع الاقتصادية والغلاء، تحولت يوم أمس الى دعوات محمومة لإسقاط نظام الحكم، والزج به في مزبلة التاريخ، والقصاص لضحايا العنف المفرط الذي واجهت به الأجهزة الامنية الطلاب والمواطنين العزل.
ومع استمرار حركة الاحتجاجات، لم يخرج أيّ من المنتسبين إلى الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) حتى الآن لإدانة أعمال القتل الوحشي التي نفذتها الآلة الحكومية ضد المواطنين، رغم تواتر أنباء عن اعتراض عدد من أعضاء الحزب على سياسة الحكومة الاقتصادية الجديدة قبل اعلانها، وهي السياسات التي كانت السبب المباشر في تأجيج الشارع، ما يشي بأن تلك الاصوات ربما جرى اقصاؤها خلال اليومين الماضيين وإسكاتها.
وبرغم الانتشار الكثيف للقوات الأمنية في الشوارع والمرافق الحيوية في الخرطوم وعواصم الولايات السودانية، فان النشطاء يتوعدون باستمرار التظاهرات والرد على العنف الحكومي، حيث شهدت أحياء مدينة بحري شمال الخرطوم تظاهرات عقب صلاة الجمعة في ما عرف باسم «جمعة الشهداء»؛ كان أكبرها في حي «الدناقلة»، حيث أطلقت الشرطة الرصاص الحي في الهواء لتفريق المتظاهرين. كذلك أفاد شهود عيان بأن مدينة شمبات شمال بحري، شهدت تظاهرات عنيفة حيث لاحق رجال الامن الشباب داخل الأحياء والأزقة.
وخرجت مدن الخرطوم (جنوب) الى الشوارع وسمع صوت رصاص كثيف من أحياء جبرة، وفي منطقة «بري»، التي تقع مباشرة شمال مطار الخرطوم. وحسب شهود عيان فإن الشرطة استخدمت الرصاص الحي بغزارة لتفريق المحتجين.

صورة قاتمة
في هذا الوقت، يرسم مراقبون صورة قاتمة للسيناريوهات المتوقعة خلال الايام المقبلة. فمع نشاط الهيئات النقابية والاتحادات المهنية المحموم في الدعوة الى العصيان المدني، مطلع الأسبوع المقبل، والقرار الفوري لعدد كبير من هيئات تحرير الصحف السودانية بتعليق الصدور، رفضاً للرقابة، يتوقع مراقبون ان تمضي أوضاع النظام نحو الأسوأ.
وبحسب محللين سياسيين، فإن هذه المناخات قد تدفع السلطات الأمنية الى استخدام المزيد من القوة للسيطرة على الأوضاع، مما سيؤدي الى لجوء المحتجين الى أساليب أبعد عن السلمية لإسماع صوتهم والدفاع عن أنفسهم أمام الاستخدام المتزايد للرصاص الحي من القوى الأمنية بلا تردد. ويرى متابعون أن عدم تعامل السلطات مع احتجاجات الشارع على رفع الدعم عن المحروقات بسلمية، قاد الى تزايد الاحتجاجات واتساع رقعتها، حيث توسعت دائرة الساخطين على النظام نتيجة سقوط أكثر من 150 شهيداً الأربعاء الماضي.




الرصاص في الرأس والصدر

كشفت منظمة العفو الدولية (لندن) والمركز الأفريقي لدراسات العدل والسلام (نيويورك)، أمس أن قوات الأمن السودانية قتلت 50 محتجاً على الأقل بطلقات في الرأس أو الصدر. وقالت المنظمتان، نقلاًَ عن شهود وأقارب قتلى وأطباء وصحافيين، إن 50 شخصاً على الأقل قتلوا بالرصاص في الصدر أو الرأس. وأضافت المنظمتان في بيان لهما، إن من بين القتلى فتى عمره 14 عاماً، بينما تُراوح أعمار معظم الضحايا الآخرين فيما يبدو بين 19 و26 عاماً. وقال البيان إنه جرى اعتقال المئات. وقالت مساعدة مدير منظمة العفو الدولية في أفريقيا، لوسي فريمان، إن «اطلاق النار بقصد القتل باستهداف صدور المحتجين ورؤوسهم انتهاك سافر لحق الحياة، وعلى السودان أن يكف فوراً عن هذا القمع العنيف الذي تمارسه قواته الأمنية».
وكانت الشرطة السودانية، قد أعلنت أن المواجهات أدت إلى مقتل 29 شخصاً بينهم ضباط شرطة، بينما أفاد نشطاء المعارضة بأن عدد القتلى يزيد على 100.
(أ ف ب)