تونس - استهجن جزء كبير من الشارع التونسي ومن النُّخَب تدخل الرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي، في الشأن المصري، في دعوته لإطلاق سراح الرئيس محمد مرسي، الذي اعتبره رئيساً شرعياً لمصر خلال خطابه في الجمعية العام للأمم المتحدة.


تصريح المرزوقي ردّت عليه وزارة الخارجية المصرية بسرعة؛ إذ أعربت في بيان عن «رفضها واستيائها مما ورد في كلمة الرئيس التونسي أمام أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم 26 أيلول حول مصر، بالمطالبة بإطلاق سراح من سمّاهم المساجين السياسيين». وأكدت الخارجية المصرية أن «ما ورد في تلك الكلمة بشأن مصر يجافي الحقيقة، فضلاً عمّا يمثله ذلك من تحدٍّ لإرادة الشعب المصري الذي خرج بالملايين في 30 تموز مطالباً بإقامة ديموقراطية حقيقية تؤسس لدولة عصرية جامعة لا تقصي أياً من أبنائها، وهو ما نرجوه للأشقاء فى تونس الذين لا يزال البعض هناك يحاول أن يفرض عليهم نموذجاً بعينه لا يعبّر عن واقع وطبيعة المجتمع التونسي السمحة».
خطاب المرزوقي الذي أدان فيه اعتقال الرئيس المصري المعزول، أجّج عاصفة من الاحتجاجات ضد المرزوقي الذي يعتبره عدد كبير من التونسيين والنخبة غير جدير بتولي منصب رئيس الجمهورية؛ إذ انتخبه المجلس الوطني التأسيسي، لا الشعب، ولم يتجاوز عدد الذين صوتّوا له في الانتخابات ٧ آلاف صوت.
ولأن الترويكا الحاكمة تسيطر على المجلس، فقد انتُخب المرزوقي من دون أن تكون له أية صلاحيات فعلية؛ إذ رأى رئيس حركة نداء تونس، الباجي قائد السبسي، أن المرزوقي «تدخّل في ما لا يعنيه، وحشر أنفه في الشأن المصري من دون أن يكون مطالَباً بذلك».
وفي السياق نفسه، قال عدد من أساتذة القانون في الجامعة التونسية، إن تصريح المرزوقي مجانيّ وغير مبرر؛ لأنه رئيس دولة وليس رئيس منظمة حقوقية. الاحتجاجات على المرزوقي لم تقف عند هذا الحد؛ إذ قادت الصفحات المناهضة للحكومة وللترويكا الحاكمة على مواقع «فيسبوك»، هجوماً عنيفاً عليه، وعدّته خطراً على مصالح الدولة العليا وعلى تقاليد الشعب التونسي.
وكان السبسي قد دعا إلى إقالة الرئيس ضمن خريطة الطريق التي اقترحتها المنظمات الراعية للحوار الوطني، فيما ندد عدد من قيادات المعارضة بخطاب المرزوقي، وعدّوه تدخلاً في الشأن المصري.
كذلك طالب آخرون الرئيس التونسي بالدفاع عن مساجين الرأي في تونس، الذين تلاحقهم حكومة «النهضة» المتهمة بالتورط في الإرهاب والاغتيالات.
هذا الإخفاق الدبلوماسي للمرزوقي ليس الأول؛ فقد كان وراء مأساة الشبان التونسيين الذين تورطوا في الإرهاب في سوريا، من بينهم ألفا شاب قُتلوا، فضلاً عن ضحايا «جهاد النكاح» من الفتيات.
وترى المعارضة والمنظمات الحقوقية أن تونس تجني اليوم ثمن قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، وهو قرار متسرّع اتخذه المرزوقي من دون العودة حتى إلى المجلس التأسيسي (السلطة العليا في البلاد)، بينما اعتاد مهاجمة المعارضة خارج البلاد، وتحديداً في قطر وموريتانيا.
واحتجت المعارضة على إقامة الرئيس المؤقت لمدة خمسة أيام في الولايات المتحدة الأميركية على حساب الدولة، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد التونسي من صعوبات تهدد البلاد بالإفلاس، وخصوصاً أن المرزوقي لم يلتق الرئيس الأميركي باراك أوباما، إلا لدقائق، وتبادل الحديث معه وقوفاً من دون أي لقاء رسمي.
وطاولت الانتقادات اللباس الذي ظهر به المرزوقي، حتى إن الشاعر الأشهر في تونس محمد الصغير أولاد أحمد، عدّه «لباساً إيرانياً» لا يمت بشيء إلى اللباس التونسي وأناقة التونسيين المعروفين بالانفتاح على أوروبا.
متاعب المرزوقي تكبر كل يوم، وشعبيته تتراجع من استبيان إلى آخر، حسب كل استطلاعات الرأي المُنجزة منذ وصوله إلى الرئاسة بتزكية من حركة النهضة.
وقد أدى قبوله بمنصب رئيس بلا صلاحيات إلى تخلي عدد من أنصاره ومن مستشاريه عنه، مثل أيوب المسعودي وعبد الله الكحلاوي وغيرهما، فيما تحوّل حزبه «المؤتمر من أجل الجمهورية» إلى حزب شبح ليس له حضور خارج نوابه في المجلس التأسيسي ومستشاريه في الرئاسة.
حزب خرجت من رحمه ثلاثة أحزاب أخرى، هي التيار الديموقراطي بزعامة محمد عبو، وحزب الإقلاع بزعامة الطاهر هميلة، وحركة وفاء بزعامة رؤوف العيادي، وكلهم كانوا من المقربين للمرزوقي الذي فقد شعبيته في الشارع التونسي، وانهارت صورته بعد صمته عن تجاوزات «النهضة» في الإدارة، وفي قمع معارضيها وفي سوء إدارة البلاد.
وسيواجه المرزوقي حال عودته إلى تونس موجة احتجاجات في الشارع تطالب برحيله مع الحكومة والمجلس التأسيسي وإلغاء كل ما ترتب على انتخابات ٢٣ تشرين الأول ٢٠١١، التي تراها المعارضة السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد من الحرب الأهلية والإفلاس الاقتصادي، بينما تراها الترويكا الحاكمة دعوات إلى الانقلاب وثورة مضادة.