تونس | بعد أسابيع من بدء ملاحقة المسلحين الإسلاميين في جبال الشعانبي التونسية القريبة من الحدود مع الجزائر، عاد الملف الأمني أمس إلى واجهة الأحداث بقوة في تونس، حيث كشف وزير الداخلية لطفي بن جدو، أمس في حوار مع إذاعة «موازييك» الخاصة، أن قوات الجيش والأمن أحبطت مخططاً لتقسيم البلاد إلى ثلاث إمارات إسلامية.

كلام وزير الداخليّة، الذي يواجه انتقادات كبيرة للأداء الأمني، جاء في أعقاب تسريب وثيقة تؤكد إشعار الاستخبارات المركزية الأميركية مصالح الاستخبارات التونسية بوجود مخطط لاغتيال القيادي الناصري الراحل محمد البراهمي.
أما الوزير بن جدو، فقد أعلن في مقابلة يوم أمس أنه «قُبض على عدد من الإرهابيين في جبل الشعانبي ومناطق أخرى من البلاد كشفوا عن العديد من الحقائق التي سهّلت عمل القوات المختصّة». وقال إنه حُدِّد عدد المتحصنين في جبل الشعانبي، ولا يتجاوز عددهم الثلاثين عنصراً، منهم 14 ارهابيّاً متمركزاً في جبل سمامة و14 آخرون في جبل الشعانبي في ولاية القصرين، مؤكّداً أنّهم تمكّنوا من معرفة أسمائهم وحصلوا على صورهم.
وكشف الوزير أن نصف هذا العدد جزائريون تابعون لتنظيم مصعب عبد الودود المعروف بـ«دوركدال»، مشيراً الى تورط جزائريين في العمليات الإرهابية في جبل الشعانبي منذ شهر نيسان الماضي، التي ذهب ضحيتها عدد من عناصر الجيش والأمن.
هذه التطورات كانت وراء الانشغال الجزائري بالوضع الأمني في تونس، اذ احتضنت الجزائر العاصمة أخيراً اجتماعاً أمنياً على مستوى عالٍ ضم خبراء جزائريين وأميركيين وبريطانيين. وكانت الأوضاع الأمنية في تونس محور الاجتماع.
وتعددت زيارات المسؤولين الأمنيين والعسكريين التونسيين للجزائر، لتنسيق التحرك الأمني على الحدود؛ ففي هذا السياق تتالت العمليات الأمنية التي نفذها الدرك والأمن الجزائريان، وقد تم خلالها القضاء على عدد من الإرهابيين من البلدين، كانوا متحصنين في الشريط الحدودي الجبلي في محافظات الكاف وجندوبة والقصرين وتوزر.
الوضع الأمني الخاص جداً في تونس قد يكون ألقى بظلاله على التعيينات التي قام بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في وزارتي الداخلية والدفاع. فالوضع الأمني في تونس يؤثر آلياً على الوضع الجزائري.
وكان التعاون التونسي الجزائري في مجال الأمن ومقاومة التطرف دائماً في مستوى مثالي، إذ إن شساعة الحدود الجبلية بين البلدين تقتضي الكثير من التنسيق واليقظة، وخصوصاً بعد انهيار النظام الليبي وتفكك ترسانة السلاح الذي أصبح يُباع في أسواق على قارعة الطريق.
وضع أصبح يمثل خطراً على تونس والجزائر وكل شمال أفريقيا والساحل والصحراء الأفريقية التي تحولت إلى معاقل لتنظيم القاعدة، حسب ما تؤكد كل التقارير الأمنية، بما فيها الأميركية والفرنسية.
فالجزائر تعتبر أن الأمن في تونس مسألة تمس أمنها القومي، لذلك عبّرت عن دعمها الكبير لجهود الجيش الوطني في مقاومة الإرهاب في السلسلة الجبلية الحدودية، بينما استقبل الرئيس الجزائري زعيمي حزبي الحكم والمعارضة في تونس راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي، منذ اسابيع، لأن الأزمة السياسية في تونس قد تعمّق الأزمة الأمنية.
في هذا الوقت، تتهم المعارضة حركة النهضة بالتغطية على السلفيين الذين تمكنوا من إغراق البلاد في السلاح بشهادة وزير الداخلية، الذي قال إنه حُجزت كميات كبيرة من الأسلحة المتنوعة الآتية من ليبيا ومن غير ليبيا.
وأكد أن أبو عياض زعيم تنظيم أنصار الشريعة المحظور، موجود في ليبيا وأن التعامل مع الأمن الليبي لا يزال صعباً بسبب المشاكل التي تعيشها منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي.
وشهد التقارب الأمني التونسي الجزائري أوجه في عشرية التسعينيات السوداء عندما تطورت المواجهات بين الجيش والدرك الجزائري وجبهة الإنقاذ التي حُظرت وخرجت من رحمها مجموعات رفعت السلاح في وجه الدولة.
ووقفت تونس آنذاك مع الجزائر في مستوى التنسيق الأمني، ولا سيما أن المنظومة الأمنية والاستخبارية التونسية كانت على قدر كبير من النجاعة في مقاومة الإرهاب، ما جعلها مرجعاً بالنسبة إلى دول الجوار، وقد تتراجع بعد ١٤ كانون الثاني، على اثر إبعاد أبرز القيادات الأمنية التي عملت في النظام السابق بتهمة الفساد، وتجاوز القانون وتعذيب نشطاء سياسيين.
كذلك استُهدفت المؤسسة الأمنية التونسية بحملة إعلامية أربكت جهودها في مقاومة الإرهاب، فضلاً عن عدم توافر الإرادة السياسية؛ إذ تتهم المعارضة حركة النهضة بتسهيل نشاط المجموعات المتطرفة لتستعين بها وقت الحاجة. وتشكل المعلومات التي كشفها وزير الداخلية تطوراً خطيراً جداً سيزيد من مخاوف التونسيين الذين بدوا يتمثلون سيناريو التسعينيات في الجزائر، وخاصة مع فشل الفرقاء السياسيين في رسم خريطة طريق تنقذ تونس من أزمتها المتعددة الأوجه.