دمشق | يفتقد المصرف المركزي السوري العمل التنفيذي في الملاحقة والتنظيم والرقابة، ما يجعل قراراته النقدية قاصرة، من دون تدخل السلطة التنفيذية على المستوى الكلي، حتى بدت آثار تحرير الاقتصاد وتحرير سعر الصرف عاملاً مهماً في فرض سلطة تجّار الأزمات على الواقع العملي، وخاصة في ظل الأزمة الحاضرة.

باتت عملية شراء الدولار وبيعه، سواء من شركات ومكاتب الصيرفة، أو من مافيا تجار السوق السوداء المنتشرين في كل مكان، مهنة للكثيرين ممن يجنون من ورائها ما يسد رمقهم، ويقطف ربحها الكبير من يقف خلفهم من ممولين وتجار أزمات. هؤلاء قاموا باستغلال وتجنيد مجموعات من الفقراء والمحتاجين الذين أعيتهم ظروف البطالة والحاجة الاقتصادية، لشراء قطع أجنبي على أسمائهم، مقابل مبالغ زهيدة، ليحصد التجار الكبار والمتلاعبون بأسعار الصرف ثروات طائلة.
خلال الأسابيع السابقة، وفي أوج التهديدات الأميركية لسوريا بضربة عسكرية، هبطت قيمة الليرة السورية أمام الدولار حتى وصلت إلى 260 ليرة مقابل الدولار الواحد في السوق السوداء، إلا أنه بعد الطرح الروسي لمبادرة مراقبة مخزون السلاح الكيميائي السوري، وموافقة الحكومة على هذه المبادرة، وتلاشي فكرة الضربة العسكرية، تراجع الدولار أمام الليرة السورية، ما أدّى إلى خسائر بالغة لمن اشترى ملايين الدولارات، بهدف المتاجرة وجني الأرباح. إلا أنه عاد وارتفع ليأخذ مكانه بأكثر من 200 ليرة سورية تقريباً.
يدل هذا الارتفاع غير المبرر لسعر الصرف على أن سعر الصرف في سوريا يتحكم فيه هؤلاء التجار على أرض الواقع، ويبقى المصرف المركزي السوري بعيداً يسبح في بحر الطوباوية رغم التدخلات التي أثارت التفاؤل لمرحلة معينة.
فرغم مجموعة التدخلات التي قام بها المصرف المركزي السوري، ما زال معدل التضخم وتدهور سعر صرف الليرة السورية متأثراً بفعل فقدان الثقة بالنظام المصرفي الذي يعتبر جوهر الثقة بالعملة المحلية.
تقتصر إجراءات المصرف المركزي على ردود فعل لا تأثير لها على المدى المتوسط والبعيد، وحتى الآن لم يستطع المصرف أن يعيد الثقة إلى الليرة السورية.
إن هذه المشكلة (بحسب بعض الاقتصاديين) ممتدة منذ ما قبل الأزمة الحالية، فهي متعلقة بمجموعة من التشريعات النيوليبرالية التي صاغتها حكومات ما قبل الأزمة، والتي أدخلتنا في دوامة الاستقطاب الطبقي. وهذا ما برّر نشوء طبقات مافيوية واستثمارات تحقق أرباحاً خيالية في فترات قصيرة جداً، لا تأبه بعملية التنمية والتطور والعدالة الاجتماعية. وهي في الوقت نفسه متحكمة في السوق الإنتاجي والسلعي والمالي.
ومن هنا تأتي ضرورة التدخلات الحكومية الضامنة للمواطن السوري على مستوى الاقتصاد الكلي وتوفير الأمن، والضرورية للحد من السوق الحرة وقوانينها وتأثيرها السلبي على المواطن، بسبب تدهور القطاع الإنتاجي وزيادة معدلات التضخم السعري، والتي أدّت بدورها إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتآكل مداخيل الشرائح الفقيرة ودولرة الاقتصاد.