في السادس من شباط 1974، بعد أربعة أشهر بالضبط من نشوب حرب «يوم الغفران»، تشرين الأول - أكتوبر 1973، مثُلت رئيسة الوزراء غولدا مئير أمام لجنة التحقيق الرسمية، التي حققت في إخفاقات الحرب إياها. وعلى مدى أربعين عاماً، بقيت الإفادة التي أدلت بها مئير، وراء الأبواب المغلقة سراً، إلى أن قرر أرشيف وزارة الدفاع الإسرائيلية نشرها أول من أمس، مع إبقاء جزء منها قيد التكتم.


ويكشف الجزء الذي سمح بنشره، كما ورد في الإعلام العبري أمس، من إفادة المرأة الوحيدة التي تولت رئاسة وزراء إسرائيل، عن أجواء التردد والضعف الذي اعترى القيادة الإسرائيلية في إدارة الحرب، وكذلك عن واقع الصدمة والندم حيال الفشل في التعامل مع المؤشرات التي دلت على اقتراب نشوبها.
ولعل أبرز ما يلفت في إفادة مئير هو تقديم نفسها أمام أعضاء لجنة أغرانات، بوصفها فاقدة للخبرة العسكرية، وتالياً للقدرة على تحدي إرادة قيادة الجيش، وفرض رأيها عليهم، في ما يتعلق بأحد بأكبر الأخطاء التي ارتكبت في الحرب، كما يراها الاسرائيليون، وهو عدم استدعاء الاحتياط عشية الحرب. وهكذا، أجابت بتهكم رداً على سؤال أحد أعضاء اللجنة عن فهمها بالشؤون العسكرية: «لم أكن رئيسة أركان منذ فترة طويلة، ولم أعرف الفرق بين جهاز دفاعي وجهاز غير دفاعي»، فيما اعترفت في موضع آخر بوجود «أناس أكثر خبرة مني في مجال الاستخبارات».
وبالنغمة نفسها، بررت مئير عدم إقدامها على تجنيد الاحتياط، بالرغم من تكاثر المؤشرات على الاستعدادات المصرية والسورية لشنّ حرب بقولها: «كانوا سيعتقدون أنني غبية... لم أستطع أن أصمد في مواجهة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ورئيس الأركان». وأضافت: «الحقيقة أنه لم يشر أحد من أعضاء الحكومة إلى أنه قد ينبغي مع كل ذلك أن نعلن التجنيد... أنا أعيش عقدة ذنب، لأنني لم أقترح ذلك». وعن توزيع المسؤوليات عمّا حصل، رأت مئير أن «عنوان الكارثة التي حدثت لنا مساء يوم الغفران هو «أخطاء». كل واحد أخطأ قليلاً في مجاله، ولا أعتقد أنه يوجد شخص واحد يستطيع أن يقول إنه لم يخطئ».
وعرضت غولدا مئير على اللجنة وثيقة قسم الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي الذي قدّر أن احتمال الحرب منخفض: «لم يقولوا لي إنه ليس لدى مصر قدرة، بل قالوا إن كل شيء مُعد، وهم قادرون على فعل ذلك، لكن ليس من المعقول أن يفعلوه... أنا مُجبرة على أن أقول إنه في قضية حرب يوم الغفران، كان (رئيس الاستخبارات إيلي) زعيرا قاطعاً جداً».
وذكرت مئير في جزء من شهادتها أنها تحادثت مع رئيس الموساد في حينه، تسفي زمير، وطلبت منه أن يفيدها بكل المعلومات التي يحصل عليها، بل أكدت له أنها تريد رؤية المعلومات والمصادر أيضاً، أي معلومات قبل أن «تطبخ »، ومع ذلك، حينما خرج رئيس الموساد في الليلة بين الرابع والخامس من تشرين الأول للقاء عاجل في لندن مع أشرف مروان، المقرب من الرئيس المصري (أنور السادات)، والذي أصبح عميلاً لاحقاً، لم يُبلغ مئير عن ذلك، بل قال لها إن الرمز الشيفرة هو الحرب، وخرج ولم يتصل بها لاحقاً.
وقالت مئير إنها لا تندم على قرارها بعدم المبادرة فوراً في حرب استباقية والبدء بحرب على مصر وسوريا؛ إذ إن هجوماً استباقياً كان سيفضي، بحسب كلامها، إلى انتقاد دولي لإسرائيل، ويُعرض للخطر القطار الجوي للمساعدة العسكرية التي أُرسلت من الولايات المتحدة، وقالت: «حينما أثار رئيس الأركان أمر الضربة المانعة، قلت له إن عام 1973 ليس عام 1967، ولن يُغفر لنا ذلك هذه المرة، ولن نحصل على مساعدة حينما نحتاج إليها. ويمكن أن نقول بيقين إن الشباب الذين لم يعودوا موجودين، كانوا سيبقون أحياءً لو أننا بدأنا بضربة مانعة. لكنني لا أعلم كم كان سيسقط من الشباب الآخرين بسبب عدم وجود معدات».