«اعطونا الدار وخذوا بدل الايجار». بهذا الهتاف تنفجر حناجر نازحي البارد في تحركات شبه يومية استنكارا لقرار الانروا الاخير بتقليص خدماتها لهؤلاء. قرار وصفه اهل البارد بانه ظالم ومريب بتوقيته، وصادر عن «ادارة لا تخاف الله» ما دام لا احد غيره يحاسبها..


سبعيني من سكان المخيم القديم الذي لم يصله البناء بعد، يتحدث بمرارة عن الحالة التي وصل اليها فيقول «عاصرت نكبة فلسطين ولكنني اليوم اجد نكبة مخيم البارد اصعب عليّ واقسى لأنني فقدت بيتي مرة اخرى ويريدون وقف بدل ايجار الملجأ المؤقت.. لا مال ادفعه ولا بيت اسكنه ولا ملاذ آوي اليه حتى بات دعائي بأن يعجل الله بلقائي وجهه الكريم».
لم يمض على تنفيذ قرار الانروا القاضي بوقف نظام الطوارئ عدة ايام حتى بدأت مفاعيل هذا القرار تظهر بداية على اصحاب الامراض المزمنه كغسيل الكلى والسرطان. احد هؤلاء المرضى يقول «انا بغسل بالاسبوع مرة او مرتين وكل غسله بدي 300 دولار وانا مش ملاقي اطعمي ولادي من وين بدي اجيب؟ يا رب رحمتك صار القبر اريح من هالعيشة».
وتقليص خدمات الاستشفاء هو الذي يصيب اهل المخيم بالصميم «ممكن نتحمل الايجارات والاغاثة بس يا عمي الطبابة مصيبة! اذا بدنا عملية صغيره بدنا نحط الي فوقينا وتحتينا هذا اذا لقينا او بدنا ندور نشحد من الجوامع» يقول آخر من ابناء المخيم ويضيف «احنا مش طالبين المستحيل احنا طالبين حقوقنا بالعيش الانساني».
ويقول آخر غاضباً «يا عمي الكلب ببلاد آن ديسمور (مديرة الانروا) له حقوق اكثر مما لدينا».
هذا الكلام القاسي يعبر بصدق عن حال ابناء البارد الذين نزل عليهم «قرار ديسمور»، كما يسمونه، كالصاعقة. كيف لا وهم ما زالوا يعيشون صدمة نكبة نهر البارد التي شردت ما يزيد على 4000 عائلة وجدت نفسها على قارعة الطريق، خسرت جنى عمرها في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
قامت الانروا انذاك مشكورة باعلان نظام طوارئ خاص بأهالي البارد استلزمه الظرف الصعب الذي ما زالت تمر فيه حتى الآن. وكان قرار الانروا انذاك ان قانون الطوارئ سينتهي بعودة آخر نازح الى منزله في المخيم القديم. هذا المخيم الذي ما زالت عملية الاعمار تسير فيه ببطء شديد ومريب، اضافة لعدم وفاء الكثير من الدول بالتزاماتها في مؤتمر فيينا الخاص باعادة اعمار المخيم المدمر.
فما تم انجازه حتى اليوم لا يتجاوز 20% من المبرمج، في حين ان ما هو متوفر حتى الساعة من اموال لاكمال الاعمار لا يكفي الّا لأربع «رزم» فقط . 6سنوات مرت وما زالت المعاناة مستمرة ولم يعد المخيم الى ما كان عليه سابقا.
لا بل ان حوالي 750 عائلة نازحة ما زالت تقطن في المساكن المؤقتة (بركسات) لا معيل لها سوى الله.
هذا القرار الذي بدأ تنفيذه اول ايلول برأي الاهالي هو قرار سياسي بامتياز يثير المخاوف من أن يكون مقدمه لانهاء عمل الانروا، الشاهد على نكبة الفلسطينيين، وللتهجير او التوطين، وهذا ما يرفضه ابناء المخيم الذين ما زال الكثيرون منهم يتمسكون بحق العودة كحق تاريخي لا ينتهي بالتقادم.
اما قرار ايقاف الايجارات، فمن شأنه رمي كل العائلات على قارعة الطريق، يضاف الى ذلك خفض فاتورة العلاج، ما يجعل من ابناء المخيم جثثاً تنتظر موتها المبرم امام ابواب المستشفيات.




وعد السنيورة «دين»

برغم مما قام ويقوم به اهل البارد من تحركات سلمية باتجاه الضغط على الانروا وادارتها في لبنان، ومن خلال الاجتماعات المتلاحقة بين ادارتها وفصائل المقاومة، ما زالت الانروا وبشخص المدير العام تصم الآذان متجاهلة تداعيات قرارها على رعاياها. لكن ابناء البارد كما قالوا لـ«الأخبار»، سيستمرون بتحركاتهم «التي ما زالت حتى الآن سلمية وحضارية» وفي تصاعد حتى تعود الانروا عن قرارها.
كما قال هؤلاء ان على الدولة اللبنانية، التي اكدت على لسان رئيس حكومتها آنذاك فؤاد السنيورة، أن الخروج مؤقت والعودة حتمية والاعمار مؤكد، ان تحترم تعهداتها.