خان الشيح | يجتمعون مساءً على ضوء شموعهم التي لا تبدد على كثرتها عتمة ليلهم الطويل، وفي جعبتهم أحاديث نهارهم المثقل بهمومهم، وعذاباتهم. أهالي حارة الخرّ في مخيم خان الشيح جنوبي العاصمة دمشق، أو ما تبقى منهم، يواظبون على عقد حلقات السمر كل مساء أثناء انقطاع التيار الكهربائي.


كل واحد منهم يجلب كرسيه و«بيلاً» (فانوس كهربائي) صغيراً، ويتجه الى باحة الحارة لتبدأ معركة التغلب على الملل وقتله.
يبدأون بفتح مواضيع للنقاش، هكذا تبدأ الجلسة بجدل يحتدّ مع تقدمه، وكالعادة، لا حديث إلا حديث سوريا وأزمتها وانعكاسات تلك الأزمة على أوضاع هؤلاء البؤساء بنحو خاص. هو ليس اجتماعاً حزبياً ما يقوم به أهالي المخيم في حارتهم الأكثر فقراً، وشقاءً، بل محاولة لتوصيف واقعهم المرير. واقع يعكس جرحاً نازفاً لأصحاب قضية مركزية، قضيتهم الأقدس فلسطين. يدور الحديث عن المساعدات التي تقدمها بعض الجهات المعنية لإغاثة الشعب الفلسطيني هنا في سوريا الجريحة.
يقول أبو مرعي إن حاميها حراميها، وإن اللجنة التي كلفت بهذا الموضوع نهبت الناس وحرمتهم من كل حقوقهم. ويضيف أنه في آخر معونة وصلت إلى المخيم، ضرب مسؤول الإغاثة بحذائه القديم عندما قال ما حرفيّة نصه « لم يعد هناك من فقراء في خان الشيح لنوزع عليهم معونات غذائية»! لم يكمل المسؤول جملته حتى خلع أبو مرعي حذاءه ورماه في وجهه، مردداً «انقرضوا الفقراء يا أخو الش...ة؟».
لم يحظَ الفلسطينيون في المخيمات الفلسطينية في سوريا بعد تردّي أوضاعهم المعيشية بالمواد الإغاثية على النحو المطلوب الذي يؤمن لهم في حدّه الأدنى عيشة كريمة. عيشة تصبح أصعب وأصعب كل يوم، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها هؤلاء، بعدما أبى أصحاب البلاد في سوريا (طرفا النزاع على حد سواء) تحييدهم عن الصراع الدائر في البلاد بينهم، الأمر الذي زاد الطين بلّه كما يقولون، فازدادت حياتهم بؤساً وشقاءً.
تقاطع حليمة حديث أبو مرعي لتقول «ركبت بدلة سنان كلفتني 40 ألف ليرة سورية، وما حدا رضي يساعدني من الجمعيات الحرامية هاي. حتى مستوصف الأونروا سكر أبوابه بوجه المرضى.. يعني لا دوا ولا أطباء هلق في بالمخيم».
يضحك خيري ويقول لها: «إنت بلا سنان أحلى يا حليمة». فيضحك للمداعبة الحاضرون. أما فتحي، «المثقف» كما يلقبه رواد السهرة، فإن نفسه انفتحت على النكت والضحك. لكن آخر نكتة لم تكن مضحكة بقدر وجعها!
يقول فتحي إن رجلاً حلم بيوم القيامة، فرأى كلاً من عناصر الجيش السوري النظامي والجيش السوري الحر في الجنة، ولم يكن هناك في النار إلا.. الشعب! فسأله فتحي: لماذا الشعب في النار؟ فأجابه: «لأن الطرفين كفّروا الشعب بالله تبعو!».
أما أخبار ما يجري حولهم فلا يستسقونها من أي وسيلة إعلام، بل من أحمد، الملقب بأحمد فايسبوك! وكالعادة، أخبار أحمد كلها قصف ودمار. في الحقيقة هو لا يشترك في الصفحات الإخبارية على فايسبوك، كل ما يفعله هو إضافة النساء، وملء وقت الفراغ لديه بالحديث معهن. هو يعترف بـ«أن الفلسطيني يُقتل بصمت هنا، لا أحد يسلط الضوء على واقع المخيم وأهله! كأن الدم الفلسطيني كدم قطط الشارع الداشرة، التي تتناثر أشلاءً إثر شظايا القصف» على حدّ قوله.
ضحك كثيراً إثر خبر مفاده أن الرئيس المصري السابق حسني مبارك بريء وأن الشعب هو المذنب. طرح فكرة على الحضور مفادها الدعوة إلى تسمية الجمعة المقبل في سوريا بجمعة «سامحنا»، اختصاراً للوقت وإنقاذاً لأرواح تزهق يومياً كما يقول أحمد.
كثيراً ما تعكّر صفو سهرات هؤلاء البسطاء القذائف المتساقطة على المخيم، فيركض كلٌ إلى بيته بعد عواء كلاب الحي وصراخ أطفاله الصغار. وفي أحيان أخرى يتكفل تجار الأزمات من اللصوص المنتشرين بكثرة في المخيم هذه الأيام بتبديد مثل هذه السهرات عند انتباه أحد ما إلى ضوء غريب أو صوت لدبيب أرجل اللصوص. لصوص ما اكتفوا بسرقة المزارع المنتشرة على أطراف المخيم، فمارسوا نشاطاتهم داخل أحياء المخيم نفسه.
هكذا تمضي سهرات البسطاء هنا بأحاديث الموت والقهر، يتغلبون على واقع مرير وضعهم فيه حيتان السياسة وبراغماتيّو الموت.
الحاضر الغائب في هذه السهرات هو فلسطين. تصوّروا! وإن كان التذمر من القيادات الفلسطينية هو سيد الموقف بسبب لامبالاتهم بوضع الفلسطينيين المزري في سوريا! موقف لاجدي بتحييد الفلسطينيين عن هذا الصراع، ولربما أخذوا موقف الانتحار برمي الفلسطيني في أتون حرب تحرق الأخضر واليابس، بعد اتخاذ مواقف سياسية مختلفة تجاه الحرب الدائرة هنا.
الجدير بالذكر أن حلقات السمر هذه هي ذاتها في كل منعطف سياسي أو حرب تتعرض له المنطقة. أتذكر الوجوه ذاتها في الحرب الأخيرة على غزة، حيث كان النقاش مختلفاً، لكن الجوهر هو ذاته: ألم ومعاناة من أجل إخوة الدم في الوطن، يقاسمهم إياهما أشقاؤهم في المنافي.
أشقاءٌ كل ما ينتابهم الآن ما يشبه قول مظفر النواب: «لن يتعشّى أحد في الشرق العربي على طبق من ذهب/ صرح نفط بن الكعبة أن يعقد مؤتمراً/بالصدفة/ والله بمحض الصدفة /كان سداسياً.. أركان النجمة ست بالكامل/ يا نجمة داود ابتهلي.




التذمر من القيادات الفلسطينية هو سيد الموقف هنا في مخيم خان الشيح، تماماً كما هو في كل مخيمات سوريا. من اليرموك الواقع بين نارين، نار المعارضة المسلحة ونار القوات النظامية، والحصار المفروض عليه منذ شهور، إلى مخيم خان الشيح وحتى إلى مخيمات لبنان. ضائعون هم الفلسطينيون اللاجئون بين قياداتهم التي تؤكد النأي بالنفس، وتورط بعض هذه القيادات في الصراع دون حساب مصير المدنيين. النيران الصديقة من الجهتين تحاصر الجميع، وآخر العنقود تأكيد الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة استهداف مصالح أي طرف يشارك في «العدوان» على سوريا، وذلك رداً على التلويح الغربي باحتمال توجيه ضربة عسكرية إلى دمشق.