غزة - بدأ العد التنازلي لرفع البطاقة الحمراء بوجه «حماس» في غزة، وإطلاق الصافرة الأولى للتمرّد عليها. هذا ما أعلنته حركة «تمرد على الظلم في غزة»، التي اتخذت من يوم أمس موعداً لولادة أول الإنذارات لـ«حماس»، بصفتها الحاكمة والمقاومة في الوقت نفسه.


هذه الحركة التمرّدية توعّدت «حماس» بالسقوط المدوّي والالتحاق بركب جماعتها الأم في مصر، مطمئنةً الشعب إلى أنها ستمحو صفحة القمع التي تخطّ «حماس» حروفها من قتل واعتقالٍ وملاحقة للمختلفين معها والنابذين للحكم الإسلامي.
أدوات التهديد والوعيد كانت بسيطة للغاية، تتمثّل في قرعٍ للطناجر وإطلاقٍ للصافرات؛ اصعد إلى سطح المنزل وتجوّل في شوارع غزة، وبيدك الطنجرة أو الصافرة، لتعلنها حرباً مجنونة على «حماس» بلا هوادة. هكذا جاء في بيانهم الداعي إلى إعلاء الصفير بوجه «حماس»، كي «يُصمّ الشعب آذانها وتتيقن أنه مصمم على إنهاء حقبتها الظالمة».
لم تلقَ دعوات الحركة استجاباتٍ كافية من الشارع الغزّي الذي فضّل ترجيح كفّة الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة والانتصار لها. هذه الفصائل توحّدت تحت راية «لا للمفاوضات» في عرضٍ عسكري مهيب جمعها شمال قطاع غزة.
اختارت نفس توقيت الصفير للمتمرّدين المتقاطعين مع «فتح» في كثيرٍ من أطروحاتهم السياسية، فيما كانت رسالة الفصائل على النقيض تماماً، فاللاءات إلى المفاوضات والتحريض السلطوي على المقاومة ومحاولة إخماد نيرانها وتشديد الحصار عليها، حضرت بقوة في العرض العسكري. كذلك كانت عيونها شاخصة نحو القدس، محذّرةً الاحتلال من التمادي في سياساته التهويدية بحقها. وخاطبت الفصائل فريق التفاوض وكلّ المشيطنين لغزة، قائلةً: «إننا لم نخوّل أحداً التفاوض على ثوابت أمتنا. لا تتبرعوا ببيع شعبنا وأرضنا. إننا أقوياء لأننا أصحاب الحق»، مضيفةً: «ليس لنا أي يد في ما يجري في الساحات العربية، لا من قريب ولا من بعيد. هذه سياستنا التي لا تتغير ولن تتغير».
غير أن العرض العسكري لم يكتمل، بعدما أعلنت كتائب الشهيد أبو علي مصطفى انسحابها، وبررت السبب في بيان يقول إنها «تفاجأت بحدوث تجاوزات وإخلالات من عناصر كتائب الشهيد عز الدين القسام وفصائل أخرى، من بينها رفع شعارات غير متفق عليها، تمسّ بمواقفنا ورأينا، لذلك قررنا عدم استكمال المسيرة ومقاطعة المؤتمر الصحفي، والانسحاب فوراً».
مع ذلك، انتهت المعركة بين المتمرّدين والمقاومين، أمس، بتسجيل نقطة لمصلحة المقاومين الذين جنوا التفافاً شعبياً حولهم، فيما لم يحظَ المتمرّدون بأصوات الدعم لإسقاط «الحكم الحمساوي». لم يصفّر ضد «الظلم» سوى بعض الشباب في خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، ويرجع البعض عدم انصياع الشارع لأوامر الحركة التمرّدية إلى تلويح النائب عن «حماس» في المجلس التشريعي يونس الأسطل في وقت سابق بحمل كل المصفّرين أكفانهم معهم، الأمر الذي عدّه كثيرون تحليلاً لقتل المعارضين لحكم «حماس» في غزة.
لكن مسؤول حركة «تمرد» في فلسطين، عبد الرحمن أبو جامع، نفى في حديثه لـ«الأخبار» إخفاق حملة الصفير كما يروّج الحمساويون، قائلاً: «أؤكد نجاح حملة التصفير بنسبة 70 في المئة. قسمنا الحملة إلى فترتين: الأولى بعد صلاة الجمعة لخمس دقائق، والأخرى الساعة الثامنة مساءً لدقيقتين». وأكد سير الحملة وفق خطط وتكتيكات معينة أُعدّت إعداداً ممنهجاً ومدروساً، بعيداً عن التخبّط والعشوائية، مبيّناً أن الشارع سيكسر حاجز الخوف تدريجاً من أجهزة «حماس» الأمنية، وسيقول كلمته الفصل في يوم استشهاد عرفات، الذي حددته الحركة موعداً فعلياً للنزول إلى الشوارع وإعلان العصيان المدني ضد حاكم القطاع. وعدّ أبو جامع عرض فصائل المقاومة العسكري عرضَ استعلاء وفرض قوة «حماس» على الشعب بغزة.
غير أنّ القيادي الحمساوي يحيى موسى، ردّ على أبو جامع بالقول: «لم أستمع إلى أي أصوات للصافرات في خان يونس، وأبو جامع يتحدث عن معركة وهمية»، مؤكداً أن هؤلاء المتمرّدين هم عملياً نكرات، وليس لهم أي أثر أو دور فعلي في قطاع غزة.
ونفى تكليف «حماس» له سحقَ حركة «تمرد»، مشدداً على أن المقنّعين الداعين إلى الثورة على ظلم «حماس» يخوضون ثورة وهمية عبر العالم الافتراضي لن ينتج منها أي ثمرة لهم. وعن سيناريو تعامل «حماس» مع تاريخ نزول المتمردين الفعلي إلى الشارع، أجاب: «حماس تعاملت بعد أحداث الانقسام المؤسفة عام 2007 بمنطق القانون والعلاقات الوطنية، ولا يخلو الأمر من تجاوز هنا أو هناك، لكن بشكل عام غزة تعيش جواً من الحرية، وبالتالي أي حراك سلمي معارض لـ«حماس» يُقابل بالاحترام، ويستحيل التعامل معه بالقوة والقمع».
وأكد موسى أن العرض العسكري المهيب الذي شهدته غزة أمس لم يكن هدفه إخافة حركة «تمرد»، فهي ليست بحسبان الفصائل، قائلاً: «أرادت الفصائل أن تبرق رسالة قوية إلى الاحتلال الإسرائيلي بأنّ المقاومة على استعداد لرد أي عدوان قريب على قطاع غزة».
وبين تصفير المتمردين وعرض المقاومين، يبقى الشارع الغزي وحده المخوّل تحديد ممثله الشرعي والوحيد: «تمرد على حماس أم مقاومة ضد المفاوضين والمتآمرين».