دمشق | كلّ المؤشرات الميدانية على الأراضي السورية لا توحي بهدوء الأيام الأخيرة من شهر رمضان، واعدةً بأيام عيدٍ غير سعيدة. الجيش السوري يبدو مرتاحاً خلال تقدمه البطيء ضمن مناطق ريف دمشق، رغم ارتفاع وتيرة الاشتباكات من قبل مسلحي المعارضة، إذ إنّ أشهر المناطق الساخنة أصبحت ضمن نطاق السيطرة، باستثناء بعض الجيوب غير المؤثرة على سير المعارك.

في جوبر والقابون وبرزة وحرستا وسائر مناطق الغوطة الشرقية، وصولاً إلى المناطق الجنوبية من ريف دمشق، يحكم الجيش قبضته العسكرية بثقة، حيث ينفّذ الكمائن ويقوم بعمليات الدهم الناجحة. الاشتباكات احتدمت على مشارف مطار دمشق الدولي، بعدما تمترست أعداد من مسلحي المعارضة في منطقة المطاحن داخل قرية الغزلانية. سبب اختيار المكان، بحسب أحد العسكريين، جاء بسبب حراجة موقف المسلحين ضمن أراضي الغوطة الشرقية، ما حدا بهم إلى محاولة خرق الحصار المفروض عليهم في الغوطة، وكان أن نصب الجيش لهم كميناً باستدراجهم إلى المنطقة ثم تصفيتهم. الخطة كانت تقوم على بسط يد المعارضة المسلحة على أكبر مخزون للقمح والطحين في ريف دمشق، واستغلال المباني العالية للمنطقة بهدف كشف مطار دمشق الدولي والطريق إليه. فرض مقاتلو الجيش قوتهم النارية على المنطقة، ما جعل محاولة نجدة المسلحين من قرية حتيتة التركمان أمراً مستحيلاً. «معركة المطاحن»، هكذا راج اسمها بين بعض مراسلي وسائل الإعلام، لم تكن نهاية الاشتباكات في المنطقة، حيث استمرت المعارك في منطقة بيت سحم على طريق المطار، ما أقلق أهالي المناطق المحيطة. طريق المطار لم يتأثر فعلياً بكل هذه الاشتباكات، إذ إن حركة السير عادت إلى طبيعتها سريعاً.
في هذا الوقت، قتل مسلحون خمسة أفراد من عائلة واحدة «موالية» بعد اقتحام منزلها في حيّ ركن الدين في دمشق، أول أمس، حسب مواقع معارضة. وأشير إلى أنّ «القتلى هم رجل وزوجته وبناتهما الثلاث (إحداهما طالبة مدرسية والأخريان جامعيتان)، بينما نجا شقيقهما البالغ من العمر ثماني سنوات بعد اختبائه في المرحاض».
إلى ذلك، استطاع مسلحو المعارضة الاستيلاء على مخازن للذخيرة تابعة للجيش السوري في منطقة القلمون، مشيرين إلى أنّ المخازن تحتوي على مضادات للدروع وصواريخ «غراد». والمقاتلون التابعون لـ«لواء الاسلام» و«جبهة النصرة» و«كتائب شهداء القلمون» وغيرها سيطروا على ثلاثة مستودعات قرب بلدة قلدون بعد اشتباكات وقعت، أول من أمس.
من دمشق إلى حلب
وعندما تسمع عبارة من أحد العسكريين: «الجيش مرتاح ع وضعو»، تأكد أنها صحيحة، لا سيّما بعدما علمت «الأخبار» أنّ استقرار وضع الجيش عسكرياً في بعض مناطق ريف دمشق، جعل بعض الفرق تسحب قواتها باتجاه حلب. أمرٌ يبدو مفاجئاً في ظلّ إصرار العسكريين على أنّ معركة حلب ما زالت غير موجودة ضمن الخطط العسكرية المنظورة، ريثما تنتهي العملية العسكرية في مدينة حمص وريفها. سحب بعض قوات النخبة إلى حلب يعني، بحسب أحد العسكريين هُناك، أن الدولة السورية تحرص على إبقاء الوضع في حلب تحت السيطرة، بحيث يمكن التدخل في أي لحظة لقلب الوقائع الميدانية، إذ يرى أحد الضباط أن منع تقدم المسلحين أكثر يعني ضبط الوضع على الأرض كما هو، والقوات جاءت من دمشق لتعزيز مواقع الجيش.
في منطقة الراشدين على تخوم خان العسل الحلبية يرابط عناصر من الجيش السوري. بعض هؤلاء العناصر يسكنهم هاجس رفاقهم الذين استشهدوا قبل أيام في المكان. خط إمدادهم مضمون، وهم يتميزون خلال أيّ معركة قد يدخلونها أن موقعهم الاستراتيجي يكشف أمامهم كل تحركات العدوّ. يقدّر بعضهم عدد المسلحين الذين يفتحون النيران عليهم كل ليلة بقرابة ألف، ممن يسكنون نهاراً وينشطون ليلاً. هدف الجيش من الوجود في المكان هو منع تقدّم الطرف الآخر، الذي ما زال يسكر جرّاء ما اعتبره «هزيمة خان العسل» للجيش السوري، التي أثّرت سلباً على معنويات المقاتلين السوريين.
وعلى صعيد آخر، لا تزال العمليات العسكرية مستمرة في أحياء حمص وريفها، إلا أن الأحداث الميدانية بدأت تأخذ طابعاً تصاعدياً صعباً، إذ إن قصف مستودع الذخيرة في حيّ وادي الدهب وسط حمص أرخى بظلاله على حياة أهل المدينة. ساعتان كاملتان يروي عنهما سكان حمص العجب. سقوط صاروخ واحد على المستودع جعل المنطقة ترزح تحت وطأة الصواريخ التي انفجرت. ويروي أحد سكان مساكن الشرطة القريبة من المنطقة أن الانفجارات استمرت في المكان حتى قصف الموقع جوّاً للتخفيف من حدّة الانفجار. أحوال الأحياء «المؤيدة» ليست جيدة إجمالاً، إذ إنها عرضة للقذائف والصواريخ طوال الوقت... وللعبوات الناسفة، حيث قتل مواطن وأصيب ثلاثة آخرون، أمس، جراء تفجير عبوة في منطقة الحولة على طريق مريمين قرمص.
يأتي ذلك بالتزامن مع اشتداد الاشتباكات في ريف اللاذقية، حيث تشهد المدينة معاركها الأعنف في جبل الأكراد. وفيما يسمّيه مسلحو المعارضة «معركة تحرير الساحل» أو «معركة أحفاد عائشة أم المؤمنين» تشتدّ الاشتباكات في بلدة الحفة، في محاولة لإحراز تقدّم عسكري قبيل عيد الفطر، إثر استحالة تحقيق أي انتصار في المدن الأُخرى.