لسوء حظّ سامانتا باور أننا نعيش في عصر الإنترنت حيث كل كلمة محفوظة. لحسن حظّ منتقدي السياسات الأميركية الخارجية وانحيازها الأعمى إلى إسرائيل هناك فضيحة جلسة تعيين سامانتا باور سفيرةً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة.

باور (42 عاماً)، الناشطة السابقة في مجال حقوق الإنسان والمتخصصة في المجازر، اضطرت أخيراً إلى أن تتراجع علناً عن كل موقف سابق لها انتقدت فيه إسرائيل، لتضمن تصديق مجلس الشيوخ على تعيينها في منصبها الجديد.

الناشطة الأميركية من أصول إيرلندية، التي تحمل شهادة في الحقوق من جامعة «هارفرد»، بدأت مسيرتها المهنية بتغطية صحافية لحرب ساراييفو والبوسنة منتصف التسعينيات وشغلت منصباً استشارياً للرئيس باراك أوباما منذ كان سيناتوراً. ومنذ عام 2009 عيّن أوباما باور مديرة «مكتب العلاقات المتعددة الأطراف وحقوق الانسان» في مجلس الأمن القومي، الى أن رشّحها لمنصب الأمم المتحدة بداية العام الجاري.
يمكن تصنيف باور في خانة المتشددين في الدفاع عن حقوق الإنسان الذين يؤمنون بضرورة التدخل العسكري أحياناً لوقف المجازر. هكذا، يقول بعض المقرّبين من أوباما، أثرت آراؤها بشكل كبير في القرار الرئاسي بالتدخل عسكرياً في ليبيا.
إيمان باور بفكرة الحاجة الى التدخل عسكرياً لغايات «إنسانية» بدأ منذ مواكبتها لحرب يوغوسلافيا السابقة والشيشان ورواندا وليبيا وصولاً الى سوريا حيث انتقدت السفيرة الجديدة «إخفاق مجلس الأمن الدولي في الرد على المجازر في سوريا»، واصفة ذلك بـ«العار الذي سيحكم عليه التاريخ بقسوة».
وفي مشوار باور المهني تُذكر دائماً سنة 2002 كمحطة مهمّة في سيرتها الذاتية. لماذا؟ في تلك السنة تجاوزت باور خطاً أحمر في السياسة والإعلام الاميركيين وانتقدت إسرائيل ودعت الى تدخل عسكري في الشرق الاوسط لوقف العنف وإيجاد حلّ للأزمة الفلسطينية. في مقابلة صحافية تلفزيونية، سأل المذيع باور في حال كنت مستشارة لرئيس الولايات المتحدة، بأي تركيبة كنت لتنصحيه من أجل وقف المجازر هناك؟ أجابت باور: «... أرى أنه يجب علينا أن نوقف إرسال ملايين الدولارات لمساعدة الجيش الإسرائيلي واستثمار تلك الأموال في دولة فلسطينية جديدة، كما يجب إرسال قوة عسكرية ضخمة الى هناك لضبط الوضع». عندما تسلّم أوباما الحكم وعيّن باور في منصب استشاري في الإدارة، نبش معارضوه مقابلة باور تلك ونشروها للضغط عليه. ثم ذكّروا بما قالته عندما رشّحها الرئيس لمنصب الامم المتحدة. وها هي، في جلسة الاستماع الى شهادتها الشهر الفائت أمام الكونغرس من أجل تعيينها، أعلنت باور أنها «تنأى بنفسها عما قالته في عام 2002» واصفة جوابها حينها بـ «غير المترابط على سؤال افتراضي ما كان ينبغي أن أجيب عنه». تراجعت باور عن معتقداتها عند أول امتحان. ولكن «النأي بالنفس» لم يكن كافياً من أجل نيل رضا اللوبي الإسرائيلي في مجلس الشيوخ، وها هي تعلن في الجلسة ذاتها «سأدعم إسرائيل وأدافع عنها من دون كلل... فالولايات المتحدة لا تملك صديقاً في العالم أعظم من إسرائيل». أما إحدى أولويات جدول أعمال باور كسفيرة لدى الأمم المتحدة فهي «السعي لحجز مقعد لإسرائيل في مجلس الأمن» و«حمايتها بوجه معارضيها في المنظمة الدولية». «نرى في الأمم المتحدة انحيازاً واضحاً وتهجمات على إسرائيل التي يجب أن تكون شرعيتها بعيدة عن أي جدل وأمنها بعيداً عن أي تشكيك»، قالت السفيرة الجديدة.
«كيف ستتعاملين مع الجهود الفلسطينية الساعية لنيل اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية خارج المفاوضات الرسمية؟» سُئلت باور خلال الجلسة، وأجابت من دون تردد «على الولايات المتحدة أن تمنع تلك الجهود وتردع المحاولة الأحادية الجانب». صُدّق! نالت باور موافقة 87 نائباً مقابل 10، وها هي تخلف سوزان رايس كممثلة للولايات المتحدة في المنظمة الدولية.
يذكر أن لباور أربعة كتب، نالت عن أحدها، «مشكلة جهنمية: أميركا وعصر الإبادة»، جائزة «بوليتزر»، وهو دراسة حول سياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه المجازر في العالم.