الرشيدية | عبر غبار الطريق الأبيض، يتكشّف المخيّم أكبر ممّا بدا من بعيد، تضيعين فيه إن كنت زائرة جديدة. المشي في المخيم يبيّن ما يقوله لي صديقي الذي لم يعرف غيره مسكناً، «المخيم من زمان كان أحلى، كان في مطرح نلعب. البيوت كانت أجمل وأكثر بساطة».

ندور بين بيوت صغيرة ملوّنة، متشقّقة الجدران أو متلاصقة ذات أبواب وشبابيك وفتحات يزخرفها حديد يذكّر ببيوت قرى الجنوب بعد الاجتياح الإسرائيلي وقبل اجتياح المال.
كحلزون أعمى تتلوّى الزواريب التي لا يعرف الزائر إلى أين تؤدّي وماذا تكشف... وساكن المخيم يمشيها كالعارف بخطوط يده. مربعات يلعب بعضها فوق بعض، وإلى جانب بعض، يكشف تراصّها زاوية تظلّها شجرة توت وعريشة، وتخفي ما داخل المنزل دون أن تستطيع تسريب رائحة الطبخ. بين الزاوية والأخرى، يتراءى ما تبقّى من حدائق صغيرة خضراء بانفجار لا شيء يحاول حصره سوى ألواح من الزينكو المهترئ أو جدران من الباطون المثقوب من كلاشنيكوف في لحظة معركة ... أو فرح.
هذه لمحة صغيرة عمّا كانه كلّ المخيّم. أمّا في الحارات «الجديدة»، فهنا الشكل «الباطوني» تماماً للمخيم. تعلو الطوابق وتتكاثر الغرف في ما بينها كأنما بدون نهاية. ليس بعيداً من هنا، على مدخل صور الشرقي، تقع المساكن الشعبية، أرض للدولة يعيش عليها عدد من العائلات اللبنانية من صور. هي ما يعرف بالعشوائيات. تذكرني أحياء الرشيدية الجديدة هذه، بأحياء «المساكن». فبينما بدأ العمران منذ أكثر من 50 سنة بمنمنمات وأشكال متأقلمة مع حاجة السكان وبيئتهم، تغيّر المنطق بسبب ضغط الوضع المعيشي وقلّة المساكن المتوافرة لذوي الدخل المحدود.
والمخيم لا يربض هنا بين بساتين الموز والليمون وحيداً هكذا، فهو يواجه البحر. هذا الجزء الصغير من البحر هو ملك أهل المخيم، هو المتاح الوحيد من المتعة المجانية لهم. عكس برك رأس العين المجاورة للمخيم، تلك البقعة الباردة اللذيذة من ذكريات كل أهل الجنوب، والتي يضطر صبيان المخيم إلى المشي طويلاً تحت شمس تموزية للوصول إليها. البحر هنا أقرب. وعلى البحر خيم قليلة، تشبه «الخيم» التي تسمح بلدية صور بنصبها على شاطئ صور القريب. لكن «الخيم» هنا «غير شرعية»، وأسماء أصحابها من شباب المخيم مسجّلة «عند الحاجز» على مدخله، وهم بذلك مهدّدون بالاعتقال من قبل الجيش. المتعة هنا غير شرعية. والبحر هنا غير مائه في أي مكان آخر، لا تشفي من تعب. البحر في الرشيدية غيره في أي مكان آخر. ليس البحر هنا فراغاً أو امتداداً أو راحة. البحر هنا هو الحاجز، هو الحائط السميك، هو بحر موسى الذي لم يستطع شقه للعبور بعد، هو ما يفصل بين هنا وفلسطين. هنا حقاً تظهر القبلة جنوباً. على الشاطئ، المخيم وراءك، والمنظر إلى الشمال لا يشدّك بشيء. الجنوب هو حيث تعلو تلك التلال، تمدّ لنا لسانها، تحرقصنا لأنها تخبّئ وراءها ما نتوق اليه. كما لا يبدو البحر بحراً، لا تبدو هذه الجبال من هنا، جبالاً.
هي سنين من الغربة، وقصص نسمعها ونتمسّك بها لأننا نشعر بأنها الوحيدة الحقيقية، المتبقية في هذا السراب. هذه الجبال هي النكسة والنكبة والانتفاضات المجهضة والمفاوضات والعرب المتناسون وذلّ القادة الخونة. في اللغة البرتغالية كلمة تعني «الشوق العميق الحارق الذي لا ينتهي» (saudade/ ساوِداد). هذه هي جبال الجنوب للمخيم.
والمخيم، بهدوئه ساعة الظهر واحتمائه في أفياء عرائشه، يبدو كأنه يعي ذلك. هو آخر مخيم في جنوب لبنان، الأقرب منها إلى فلسطين، كأنه الرابض ينتظر أن يكون أول المحاور وأوّل العائدين.
وهو في هذه الفترة بالذات يعي ذلك ويضحك في وجه مفاوضات منفصمة منفصلة عن الواقع بعيدة كل البعد عن نبض الناس وحياتهم.
المفاوضات والمؤسسات غير ــ الحكومية
في المقهى الصغير بجانب المحطة، مقابل ميكانيكي مشغول بأدواته في عطش رمضان، يقع أحد المقاهي القليلة في المخيم، أنشأه شاب «ليس بدافع الربح».
المقهى صغير بغرافيتي على الحيطان وكراس خشبية ملوّنة ومزّينة باليد. في المقهى شابان يحاولان التقاط نسمة هواء في نهار رمضاني طويل. يشربان القهوة في وضح النهار. نتحادث عن الوضع العام ويخبران قصصاً عن أشخاص من المخيم أصيبوا بحوادث وهم يجمعون لهم المال. بشكل من الأشكال، هما (والكثيرون ممن معهم) يقومون بما لا تقوم به الفصائل الفلسطينية، ولهذا كانت فكرة المقهى.
ويأخذنا الحديث إلى نكات وأخبار عن السلطة وعمل المؤسسات الأجنبية «غير ــ الحكومية».
ويتندّر أحد الشباب قائلاً: «وشو أخبارو أبو مازن؟ قال رح يكمّل مفاوضات؟»، فيردّ آخر عليه «آه.. قال صمد 5 سنين بلا مفاوضات. إنجاز!». ويبدأ هنا الحديث عن دعم «جمهور» الفصائل الأعمى لخطوات قادتها. «مستعدّين يغيّرو المنطق ليبررولهم يا زلمي..»، يقول الشاب ذو النظارة. فالسلطة تتعاطى مع القضية الفلسطينية كأنها ملكها وحدها، وكأن الفلسطينيين غير معنيين بأرضهم. كل خطوة تطبيعية تنازلية تأخذها السلطة، تواجه بحنق أكبر في المخيمات، وتجاهل لهذه السلطة.
وفي الوقت ذاته، تغيب السلطة عن أداء دورها في المخيمات «يعني ما يجو يقولولي ما تشتغل مع الأن ــ جي ــ أوز (المؤسسات غير ــ الحكومية). أصلاً هاي المؤسسات ما كانت أجت عالمخيم لولا إذنهم، وما كانت لقت ناس يشتغلوا معها لو همّ والأونروا عم يشتغلو شغلهم».
فيردّ صديقه «وما يجوا يقولولي ما تاخد منهن مصاري ويروحوا ياخدوهن هنّي». ويكمل الأصدقاء حديثهم في هزء من الوضع السياسي الذي وصل إليه المخيم، ومواقف السلطة المبهمة من المؤسسات التي تجتاح المخيم.
فأهل المخيم يعلمون بأجندات هذه المؤسسات ومشاريعها، ويعلمون بأن الداتا التي تجمعها تذهب إلى جوارير أكثر من عدوّ. لكن السلطة هي التي تسمح بوجود هذه المؤسسات من جهة، ومن جهة أخرى تتعامل هي بنفسها معها وتحرّم على الناس الاستفادة المادية منها.
نخرج من المقهى ونحاول استكمال كزدورتنا في شمس تمّوز. المخيم أمام البحر لا يسمح بنسمة هواء تهرب من بين زواريبه الضيقة وبيوته الصغيرة إلينا. فوق التلّة، مئذنة الجامع وبجانبها الكنيسة القديمة التي تفضح جذور المخيم الذي كان للأرمن. الجامع معروف باسم «جامع الكنيسة». مخيّم الأرمن هذا الذي هُجر قبل قدوم الفلسطينيين، أصبح لا يحمل من ذكريات لاجئيه الأوّلين سوى فكرة اللجوء.. وذكرى من أرض لا يستطيع رؤيتها من هنا.




كأي مدينة تقع ضمن جوار زراعي، ترتبط صور بمحيطها بفعل حاجتها إلى اليد العاملة والإنتاج الزراعي. وتترابط القرى اللبنانية ومخيم الرشيدية بفعل كونهما المناطق التي من دونها لما استطاعت صور أن تصبح فعلاً مدينة. والعلاقة إذاً بين صور ومخيم الرشيدية اقتصادية بامتياز. فالمخيم يزرع وسوق الحسبة (سوق الخضر في صور) تبيع، وأهل المخيم يشترون حاجياتهم من أسواق صور. ويروي شباب المخيم كيف أن أسواق المدينة تنتظر أن يحصل أهل المخيم على معاشاتهم ليشتروا منها، إذ يتندّر باعة صور ويسألون «أيمتى رح تقبّض فتح؟».