تونس | استيقظت تونس صباح أمس على جريمة اغتيال جديدة، هي الثالثة من نوعها منذ صعود الترويكا الى الحكم، إذ استقرت إحدى عشرة رصاصة في جسد مؤسس التيار الشعبي (ناصريون) محمد البراهمي، عضو المجلس الوطني التأسيسي عن محافظة سيدي بوزيد.

وأطلق شخصان على دراجة نارية 11 رصاصة على البراهمي، في ثالث جريمة تستهدف المعارضة بعد اغتيال شكري بلعيد في شباط الماضي، ولطفي نقض في تشرين أول. وأعلن في وقت لاحق أمس أنه سيُدفن في مقبرة الجلاز في العاصمة الى جانب الشهيد بلعيد.
الجهة التي تقف وراء الاغتيال واضح أنها عرفت من تختار؛ فالبراهمي من مدينة سيدي بوزيد التي لها رمزية خاصة في تطورات المشهد التونسي منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في ١٧ كانون اول من سنة ٢٠١٠، كما اختارت التوقيت بعناية: بعد ظهور حركة «تمرد» وإعلانها العمل على إسقاط الحكومة وحل المجلس الوطني التأسيسي وقد كان البراهمي من اول أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، الذين أعلنوا مساندتهم لهذه الحركة، كما اعلن مساندته الحراك الذي اسقط حكم «الإخوان» في مصر إلى جانب تنديده بالعصابات الإجرامية الممولة من الخليج لتدمير سوريا.
فمحمد البراهمي مناضل صلب وشخصية محبوبة ويحظى بتقدير من كل الفرقاء السياسيين، واستهدافه يتحمل أكثر من تأويل: إما أن يكون عقابا له أو تحذيرا لكل من يفكر في الجهر بمواقف صريحة ضد التنظيم العالمي للإخوان المسلمين المتحالف موضوعيا مع الصهيونية العالمية وأداتها في المنطقة العربية إسرائيل. أو أن يكون المقصود منه مزيدا من صب الزيت على النار في سياق سياسي تواجه فيه الترويكا الحاكمة غضبا شعبيا غير مقصود، توالت فيه دعوات حل الحكومة والمجلس التأسيسي ووضع خارطة طريق لا تكون فيها حركة النهضة إلا طرفا فقط من جملة الأطراف السياسية، وهو ما سعى اليه رئيس الحكومة السابق وفشل فيه، بعدما رفضت حركة النهضة مبادرته.
ويرجح أن تدفع الترويكا الحاكمة، وخاصة حركة النهضة، ثمن الاغتيال، ذلك أن منسوب الاحتقان ودعوات حل المجلس التأسيسي واستقالة الحكومة والرئيس غير مسبوقة، إذ التقت اغلب القوى السياسية، واهمها الجبهة الشعبية والاتحاد من اجل تونس، على هذه المطالب كما اعلن الاتحاد العام التونسي للشغل الإضراب العام اليوم الجمعة، فيما أعلنت حركة تمرد وعدد من الجمعيات والمنظمات حالة التعبئة العامة لتنظيم احتجاجات في كل المدن، شعارها الأساسي حل الحكومة والمجلس التأسيسي.
وفي هذا الوضع من الاحتقان، تبدو النهضة تواجه مصيرا صعبا بسبب تنامي الاحتقان ضدها وضد زعيمها راشد الغنوشي، الذي حمّله عدد من السياسيين مسؤولية الاغتيالات التي حدثت في تونس منذ صعود النهضة إلى الحكم.
المؤشرات الأولى بعد ساعات من اغتيال محمد البراهمي تؤكد أن النهضة ستواجه غضبا عارما في كل مكان، وقد أُحرق عدد كبير من مقارها. أما الحكومة، فالأقرب أنها لا يمكن أن تستمر وفق الصيغة الحالية، بعدما حمّلتها معظم الأطراف السياسية مسؤولية الاغتيال بسبب توفيرها الارضية المناسبة لذلك، مثل التساهل مع خطاب العنف والاغتيال والسحل واستباحة الدماء في الاجتماعات العامة والمساجد والمنابر التلفزيونية والصحف، من دون أن تحرك ساكنا أو تحاسب أي متورط. وهو ما عُدّ تشجيعا ضمنيا على العنف، فضلا عن تساهلها مع انتشار السلاح. ويذكر انه عُثر قبل أيام وقريبا من بيت البراهمي في أريانة على قطع سلاح مخبأة في بيت يقطنه احد المتشددين الدينيين.
وإذا كانت حركة النهضة قد نجت من الزلزال الذي أحدثه اغتيال شكري بلعيد، فان نجاتها هذه المرة تبدو غير مضمونة، بعد اندلاع الاحتجاجات من سيدي بوزيد، فهل تعيد هذه المدينة في الوسط الغربي التي عانت التهميش سيناريو البوعزيزي الذي أطاح حكم بن علي؟

دعوة إلى العصيان المدني

وفور حصول الجريمة، أعلن رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، أن اليوم الجمعة سيكون يوم حداد عام، بينما اتهمت شقيقة البراهمي شهيبة البراهمي (50 عاماً) «حركة النهضة.. هي التي قتلت أخي». وقالت «منذ اغتيال شكري بلعيد (في السادس من شباط الماضي) كان لنا احساس بان محمد (البراهمي) سيلقى نفس المصير». وأضافت، وهي في حالة انفعال شديد، «لا نريد بعد اليوم ان يعيش معنا أصحاب اللحى (الإسلاميون)». أما أرملته، فقد رفضت قبول التعازي من الترويكا الحاكمة ونوابها في المجلس التأسيسي، ودعت الشعب إلى التمرد على حكم الترويكا.
وبمجرد إذاعة الخبر هبّ المواطنون إلى مستشفى محمود الماطري في ضاحية أريانة، حيث نُقِل اليه جثمان الشهيد، ورفع الغاضبون شعارات تندد بحركة النهضة وبزعيمها راشد الغنوشي، ومنها الشعار الشهير الذي رُفِع بعد اغتيال بلعيد «يا غنوشي يا سفاح يا قتال الأرواح»، كما انطلقت مسيرات غاضبة في مدينته سيدي بوزيد، حيث أحرقوا مقر «النهضة»، بينما سارت مسيرات في مدن المكناسي، ومنزل بوزيان وقفصة، وحاصر محتجون مقر المحافظة ومكتب «النهضة» في بعض المدن.
والتقت غالبية الأحزاب المعارضة على إدانة الجريمة، واعتبارها جريمة سياسية تسعى إلى عرقلة المسار الانتقالي والنظام الجمهوري، وتعمل على بث الفوضى والعنف. ورأت هذه الأحزاب أن تزامن الجريمة مع عيد الجمهورية هو رسالة واضحة مفادها «لا تفرحوا بالجمهورية».
ودعت الجبهة الشعبية الى العصيان المدني، وطلبت من أنصارها في الجهات الاستعداد للتحرك من أجل إسقاط المجلس التأسيسي وحل الحكومة «الفاشلة»، بينما رأى زعيم حركة نداء تونس، أكبر الأحزاب المعارضة، «ضرورة التقاء كل القوى الديموقراطية حول خارطة طريق جديدة لإنقاذ تونس من أتون حرب أهلية بدأت تبرز ملامحها». وحمّل الترويكا الحاكمة ما وصلت اليه البلاد من انهيار أمني.
وفيما دعا زعيم الحزب الجمهوري نجيب الشابي، إلى حل المجلس التأسيسي والحكومة، تقدّم عضو «التأسيسي» إياد الدهماني بالاستقالة من الكتلة الديموقراطية، بينما أعلن المتحدث باسم الاتحاد التونسي للشغل، سامي الطاهري، أن «المكتب التنفيذي للاتحاد قرر الإضراب (اليوم) وهو اضراب سياسي دفاعاً عن تونس».

جحيم الفتنة

على المستوى الرسمي، أدانت رئاسة الجمهورية اغتيال النائب المعارض، مشيرة إلى أن منفذيه يهدفون الى الزج بالبلاد في أتون «التناحر والعنف في وقت أوشك فيه المجلس الوطني التأسيسي على تركيز هيئة (تنظيم) الانتخابات، وبالتالي توضيح روزنامة نهاية المرحلة الانتقالية الحالية، وفي وقت تشهد فيه بعض الدول الشقيقة (مصر) تحولات دموية بعد ايقاف العملية الديموقراطية».
ورأى زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أن «هذه الجريمة تقف وراءها جهات لا تحب الخير لتونس، ولا تحب نجاح المسار الديموقراطي، حتى يؤكدوا أن العرب والمسلمين غير جديرين بالديموقراطية».




الصوفي الناصري

معروف أن محمد البراهمي (٥٧ عاماً) مناضل ناصري له عشق صوفي للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. عرف بالطيبة والنزاهة والعفوية والصلابة في المواقف. كان من رموز «الطلبة العرب التقدميون الوحدويون»، الذين يؤمنون بنظرية الثورة العربية لعصمت سيف الدولة. وبعد تخرجه من «المعهد الأعلى للتصرف» في تونس، أصبح من قيادات التيار القومي التقدمي، الذي حل نفسه بعد إنهاء حكم زين العابدين بن علي للتجربة الديموقراطية الوليدة عام ١٩٩١.أسس حركة «الوحدويون الناصريون» السرية عام 2005. وبعد الثورة، أسس مع مجموعة من المناضلين القوميين الناصريين «حركة الشعب»، التي تولى أمانتها العامة إلى حدود الأيام القليلة الماضية. وانتُخب عن محافظة سيدي بوزيد باسم قائمة حركة الشعب في انتخابات المجلس التأسيسي في شهر تشرين أول ٢٠١١، لكنه أخيراً استقال من الحركة بسبب خلاف في مكتبها السياسي حول الانضمام الى الجبهة الشعبية، وأعلن تأسيس «التيار الشعبي».
عُرف البراهمي بمداخلاته البليغة ضد الترويكا وحركة النهضة تحديداً، كما أعلن منذ أيام مساندته لحركة «تمرد»، ومطالبته بحل المجلس التأسيسي والحكومة واستقالة رئيس الجمهورية.