جرمانا | عصراً لم تكن المدينة التي بدأ سكانها بالعودة من أشغالهم تعرف أن كارثة على مقربة من الزحام تنتظر الحدوث. هنا جرمانا التي أطلقت مبادرة احتضان الجميع لم يتركها الموت. أمس في ذروة الزحام على مفرق حيّ الجناين قرب ساحة السيوف (الشهداء) انفجرت سيارة مفخخة محدثة هزة عنيفة في قلب المنطقة المكتظة بالسكان والسيارات، سقط على اثرها 10 شهداء وأكثر من 70 جريحاً، ودار كبير. المشهد لم يكن غريباً على المدينة التي استقبلت آلاف المهجرين ورفضت وصايا السلاح، وبقت نموذجاً خاصاً من العيش واستمرارية الحياة، لكن ذلك لن يدعها خارج مخطط الرعب الذي رسمه أصحاب الموت طيلة فترة غيابهم عنها. «عوضوها» هذه المرة. مرّت السيارة المفخخة لتركن على جانب «مفرق الجناين»، هي هدية إرهابية للمدنيين قبل الإفطار!

لا يوجد هنا أي فرع أمني أو مؤسسة حكومية أو قطعة عسكرية، حتى تتبنى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» هذا التفجير بعد ساعة على حدوثه، حسب ما أكد التلفزيون السوري. شهود عيان قالوا لـ«الأخبار»: «إن حصيلة الشهداء الذين أصبحوا أشلاء لا يمكن ذكرها للناس بدقة. لقد رأينا بقايا ثياب لجثث مجهولة وصلت لعشرات الأمتار من موقع التفجير». هلع في كل زاوية بعد انتشار خبر عن وجود سيارة ثانية، إذ طلبت «اللجان الشعبية» والقوى الأمنية من الناس عدم التجمّع لضمان سلامتهم. لكن أحداً لم يستمع... ثمة من يبحث عن أهله هنا. «تعوّدنا كأهل إنو يكون على سفرة رمضان مسبحة وفول... والدي نزل على محل الفلافل ليجب لنا وهلق عم دور عليه... ما عم صدق أنو مات»، بشيء من الهلع يروي رضا محمد الذي هجَر وأهله حيّ القاعة، ليسكنوا قرب ساحة السيوف.
لا يمكن لأحد التنبؤ باختفاء هذا الكابوس الحربي، «سلمنا بالقضاء والقدر، بس شو في بجرمانا حتّى متكالبة عليها الانفجارات؟ هي جزاتها لأنها بتعض على جرحها مشان البلد»، يروي أبو نورس، صاحب مطعم فلافل قريب من ساحة السيوف، بينما تغالبه الدموع على أصدقائه في الكار، الذين ركنت السيارة المفخخة أمام «محلهم اليتيم... واستشهدوا».
كيري: لا حل عسكريا للأزمة
على الصعيد السياسي، أكد وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أنّ «لا حل عسكريا للأزمة السورية، ولا يوجد سوى حل سياسي»، في حين شككت دمشق «بنزاهة» واشنطن في السعي إلى حلّ سياسي للأزمة.
وأضاف كيري، عقب لقائه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، «تحدثت يوم أمس مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. ونحن متمسكون بالجهود الرامية إلى إجلاس الأطراف إلى طاولة مفاوضات جنيف 2 من أجل تنفيذ ما اتفقنا عليه في مؤتمر جنيف 1».
من جهته، شدّد بان كي مون على ضرورة عقد مؤتمر «جنيف 2» في سريعاً، معلناً أنّ أكثر من 100 ألف شخص قتلوا منذ بداية النزاع في سوريا.
في موازاة ذلك، وبعدما كان قد قدّم 5 خطط للتدخل في سوريا، لفت رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأميركية، مارتن ديمبسي، إلى أنه يجب توخي الحذر في التوصية بالتدخل العسكري، خشية أن يحوّل أي إجراء غير مدروس سوريا إلى دولة فاشلة. وقال، في تصريح في قاعدة لسلاح الجو البولندي في وسط بولندا، «أنا لا أقترح ألا يفعل المجتمع الدولي شيئاً. أنا اقترح أنكم بحاجة إلى استراتيجية تربط الخيارات العسكرية بأدوات القوة الأخرى».
في موازاة ذلك، شدّدت وزارة الخارجية السورية على أنّ «الإدارة الأميركية غير نزيهة في إيجاد حلّ سياسي بسوريا عبر عقد المؤتمر الدولي في جنيف».
ولفت مصدر مسؤول في الوزارة إلى أن «ما تتداوله وسائل الإعلام من تصريحات لمسؤولين أميركيين حول قرار واشنطن بتسليح «المجموعات الإرهابية» يؤكد الدور الأميركي في تأجيج الأزمة وعدم نزاهة الإدارة الأميركية.
بدوره، أكد وزير الاعلام السوري عمران الزعبي، خلال لقائه رئيس مكتب المبعوث الدولي إلى سوريا، مختار لماني، أنّ «سوريا ما زالت تنظر إلى مبدأ الحوار كإمكانية متاحة وضرورية لتوحيد جهود السوريين في التصدي للإرهاب والدفاع عن الوطن وسيادته».
وأضاف أنّ «الدول التي تساند جبهة النصرة تتجاوز في سلوكها كل القرارات الدولية ذات الصلة بمكافحة الارهاب، وتنتهك ما اتفقت عليه دولياً بأهمية توحيد الجهود في هذا المجال».
في إطار آخر، يلتقي رئيس «الائتلاف» المعارض أحمد الجربا وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، على هامش اجتماعه مع أعضاء مجلس الأمن الدولي اليوم.
وذكرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، جنيفر بساكي، أن الرجلين «سيبحثان الوضع الراهن في سوريا، وسبل دعم عملية حوار سياسي ومؤتمر جنيف2». وأكدت أن كيري سيبلغ الجربا، في لقائهما الأول، بـ«التزام الولايات المتحدة بمواصلة دعمها لتعزيز المعارضة».
من جهة أخرى، أعلن المستشار في بعثة الأمم المتحدة في دمشق خالد المصري، لوكالة «فرانس برس»، أن رئيسة لجنة شؤون نزع السلاح في الامم المتحدة أنجيلا كاين ورئيس لجنة التحقيق الدولية في استخدام الاسلحة الكيميائية آكي سيلستروم واعضاء الوفد «غادروا دمشق بعد زيارة رسمية قابلوا خلالها عدداً من المسؤولين السوريين بينهم وزير الخارجية وليد المعلم». وفيما لم يشر المصري إلى أيّ تفاصيل تتعلق بمضمون وسير المباحثات بين الخبراء ومسؤولي الحكومة السورية، كشف مصدر سوري قريب من السلطات أنّ المسؤولين السوريين جددوا تمسكهم بأن تركز الأمم المتحدة تحقيقها على حادث سقوط صاروخ يحمل ذخيرة كيميائية في بلدة خان العسل، في ريف حلب في 19 آذار.
وأوضح المسؤول أن المسؤولين السوريين أبلغوا الوفد الأممي بأن «خان العسل سقطت اخيراً بين أيدي المسلحين، وأن هناك اشتباكات في محيطها، وبالتالي لا بد من الانتظار» قبل القيام بالتحقيق.
وفي السياق، علمت «الأخبار» من مصدر معارض أنّ سبعة من «مقاتلي الكتائب الإسلامية قتلوا في قصف لسلاح الجو استهدف مواقعهم في مزارع خان العسل»، في وقت يشنّ فيه الجيش السوري هجوماً مضاداً لاستعادة السيطرة على بعض المناطق التي انتزعت منه في الأيام الأخيرة.
من ناحية أخرى، أكّد رئيس جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، كيم جونغ أون، «تضامن بلاده المطلق مع سوريا في مواجهة الامبريالية»، وذلك خلال استقباله وفد حزب البعث برئاسة الأمين العام المساعد للحزب عبد الله الأحمر، في بيونغ يانغ.
إلى ذلك، وصل زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم إلى اسطنبول أمس وعلى متن طائرة خاصة جاءت به من أربيل. وقالت مصادر صحافية أن مسلم سيجري مباحثات مفصلة مع مسؤولين في جهاز المخابرات التركية الوطنية وبحضور مسؤولين من الخارجية ورئاسة الأركان، مشيرة إلى أنه قد يلتقي زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لانها جاءت مع استمرار الاشتباكات المستمرة بين جبهة النصرة وبين مسلحي الديمقراطي الكردستاني (pyd) بهدف السيطرة على البوابات الحدودية في راس العين وتل ابيض.