رام الله | من دون استئذان للشعب وفصائله وممثّليه، قررت القيادة الفلسطينية منفردة العودة إلى المفاوضات. لا أحد في الشارع الفلسطيني يعلم ما سوف يُحاك له داخل أروقة الغرف المغلقة في واشنطن الأسبوع المقبل، ولا حتى الفصائل الفلسطينية التي أجمعت على رفض الخطوة.

وفي الوقت الذي تعجّ فيه الصحافة ووسائل الإعلام الإسرائيلية بتصريحات ومواقف القادة الإسرائيليين، لا نكاد نسمع صوتاً ولا صدى لأي مسؤول فلسطيني حول ملابسات ما تمّ الاتفاق عليه خلف الكواليس. الشارع الفلسطيني مغيّب عمّا يجري تماماً، فيما تستعد قياداته لبدء جولة جديدة من جولات أوسلو مفاوضةً على حقوقه وقضاياه المصيريّة، إلى حد وصل الأمر بمراسل القناة الإسرائيلية الثانية، أوهاد بن حمو، إلى أن يختم تقريره من أمام مقرّ المقاطعة بالقول: «لامبالاة في الشارع الفلسطيني تجاه استئناف المفاوضات».
خلال اليومين الماضيين، لم يصدر سوى تصريح وحيد ومقتضب على لسان الرئيس محمود عباس لصحيفة «الرأي» الأردنية، حيث اكتفى بالقول: «التفاوض هو الخيار الأول للفلسطينيين لإقامة دولة فلسطينية، وحقّقنا خيارات ستحفظ حقوق شعبنا»، فيما أكدت وزيرة القضاء الإسرائيلية، تسيبي ليفني، التي ستلتقي عريقات الأسبوع المقبل في واشنطن، أنّ المفاوضات ستحافظ على مصلحة إسرائيل «كدولة يهودية ديموقراطية».
بين هذا وذاك، تتحدث التسريبات الإعلامية عن تقديم ضمانات نصّية من وزير الخارجية الأميركية جون كيري لأبو مازن بأن تكون المفاوضات على أساس حدود عام 67، وعن قبول إسرائيلي «بتجميد هادئ» للاستيطان من دون التصريح بذلك علناً، إضافة إلى إفراج اسرائيل عن أسرى «ملطخة أيديهم بالدماء»، حسب وصفها، من دون تحديد هويّتهم وعددهم.
في مقابل ذلك، تتحدث التسريبات عن تعهّد السلطة بالاستمرار في العملية التفاوضية لمدّة تسعة أشهر، وتقديمها ضمانات بوقف أي خطوات ضد إسرائيل في المنظمات الدولية. وفي الشق الاقتصادي، يدور الحديث حول رزمة عروض اقتصادية مغرية قدّمها كيري للسلطة، كالسماح بإنشاء مطار للطائرات الخفيفة في الضفة، وافتتاح مشاريع حيويّة في مواقع متاخمة للمناطق المصنفة «ج»، فضلاً عن تسهيلات للفلسطينيين في الحركة، ووجود قوّات دولية في غور الأردن.
وقد أجمعت كل الفصائل والأحزاب الفلسطينية على رفضها خطوة القيادة الفلسطينية بالعودة إلى المفاوضات. أصوات الاحتجاج علت حتى من داخل حركة «فتح»، إذ قال القيادي في حركة فتح، نبيل عمرو: «لقد بدا واضحاً أن هذه القيادة تجيد لغة التشدد، لكنها في نهاية الأمر تسلّم بالأمر الواقع»، معتبراً أن الأزمة هي «أزمة قيادات وليست أزمة سياسة»، فيما تحدث عضو اللجنة المركزية للحركة، عباس زكي، عن وجود ضغوط عربية مورست على الرئيس للقبول بالتفاوض مع إسرائيل. ربّما هذا ما دفع الرئاسة الفلسطينية إلى إصدار تعميم بأن المخوّلين بالتصريح باسم منظمة التحرير، ومؤسسة الرئاسة، هما نبيل أبو ردينة، وياسر عبد ربه فقط.
واعتبرت حركة «حماس» أن عودة السلطة إلى المفاوضات هي بمثابة «جائزة كبرى لحكومة الاحتلال المتطرفة»، فيما اعتبرتها حركة الجهاد الإسلامي «استنساخاً للفشل، وخروجاً عن الإجماع الوطني».
من جانبه، قال الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي، لـ«الأخبار»: «نحن رأينا في المبادرة الوطنية الفلسطينية أنه لا يجوز الخوض في مفاوضات من دون تعديل ميزان القوى، والتزام بمرجعية واضحة، ووقف شامل للأنشطة الاستيطانية، ولا يوجد حالياً ما يشير إلى أن هذه المفاوضات ستؤمن تلك الشروط، وبالتالي نحن نرى أنه لا جدوى من الدخول فيها».
وأضاف البرغوثي: «ما أعلنه السيد كيري شيء هش وقابل للانهيار في أية لحظة، فحتى الآن لم تقدّم الولايات المتحدة الضمانات الخطية المكتوبة بأن المفاوضات ستجرى على أساس مرجعية واضحة، ولا يوجد كذلك ضمانات بأن الإسرائيليين سيوقفون نشاطاتهم الاستيطانية خلال فترة المفاوضات، وهذا يمثل خطورة كبيرة لأننا لا نريد أن يتكرر ما جرى في خطيئة أوسلو، إذ أصبح عدد المستوطنين 650 ألفاً بعدما كان 150 ألفاً عند توقيع الاتفاقية، أيضاً ليس هناك أي معطيات مؤكدة بأن إسرائيل مستعدة للالتزام بقرار حكومي للإفراج عن الأسرى».
وعمّا إذا كانت القيادة الفلسطينية قد أطلعتهم على «الصيغة التوافقية» التي تحدث عنها كيري، قال البرغوثي: «حسب معلوماتنا، لم يتوفّر شيء جديد ملموس مما طولب به، وبالتالي لم يتغيّر الموقف حتى هذه اللحظة».
بدوره، دعا المسؤول السياسي للجبهة الشعبية ـــ القيادة العامة في فلسطين، حسام عرفات، في حديثه إلى «الأخبار»، السلطة الفلسطينية إلى «سحب الموافقة على العودة إلى المفاوضات فوراً، واستفتاء الشعب الفلسطيني على هذه المسألة»، واصفاً هذه الخطوة بأنها «تصفية صريحة وعلنية للقضية الفلسطينية». وأضاف: «العودة إلى المفاوضات بهذا التوقيت، وفي ظل الشروط الأميركية والإسرائيلية هي خطوة سياسية خطيرة جداً، وتعبر عن العقلية الفلسطينية السائدة في دائرة قضايا كبرى. أتصور أن الرئيس الفلسطيني استغفل الشعب الفلسطيني، وأخذ القرار بالعودة إلى المفاوضات بمفرده، رغم استمرار الهجمة الاستيطانية، وتهويد القدس».
ولعلّ أبرز المواقف كان لعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، رباح مهنّا، إذ دعا إلى «محاسبة الرئيس محمود عباس واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إثر قرار العودة إلى المفاوضات في خروج عن المجلس الذي وضع شروطاً حول ذلك»، مطالباً «جماهير الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات بالخروج العارم للاحتجاج على المفاوضات المدمرة والضارة بالقضية الفلسطينية».