الجليل | نتفق جميعا على ان النكبة والتهجير لم يتوقفا منذ احتلال البلاد قبل 65 عاما، لكن هل اتخذا وجها جديدا واسلوبا «متحضرا» كما يدعي البعض؟ ما زالت مصادرة الاراضي وهدم البيوت وتهجير الناس وطردهم من اراضيهم وبيوتهم بشكل صريح مستمرة، كما كانت منذ اول مرة، ربما حال حديث الاعلام دون تكرار المجازر، الا انه لم يكن رادعا كافيا لوقف النكبة!

هكذا بالضبط اقرت الكنيست الاسرائيلي قانون «برافر-بيغن» في قراءته الاولى، وهو قانون يرمي الى «تنظيم اسكان البدو في النقب» حسب قولهم، او بكلمات صريحة مصادرة ما يزيد عن 800 الف دونم ارض واخلاء 38 قرية بدوية واجبار ما يقارب ال40 الف بدوي على ترك بيوتهم.
حسب القانون سيتم تجميع المواطنين البدو في 4 مناطق، لكن الذي سيحدث في الحقيقة هو ان «الدولة» ستقوم بمصادرة جميع اراضي البدو في النقب، ومن ثم التصدق عليهم ببناء 4 مدن تشبه الفكرة التي بموجبها اقيمت مدينة «رهط» البدوية في النقب سابقا، وبهذا ستستولي الحكومة الاسرائيلية على اراضيهم وستسيطر على انتشارهم في النقب بان «تحصرهم» داخل «غيتوهات» على شكل «مدن»!
قبل 37 عاما، انتفض الجليل ضد مصادرة 20 الف دونم من اراضيه، واشتعل بيوم الارض شعب كامل من الفلاحين الذين كانوا سيسلبون ما تبقى لهم من ارض، وهويتهم كفلاحي فلسطين. اليوم حين يجبر البدوي الفلسطيني على ترك خيمته والسكن في بيت من الطوب او الباطون او الزينكو، لا تكون الحكومة الاسرائيلية بهذا قد سلبته ارضه فقط، بل هويته الفلسطينية الاصيلة.
لم ازر النقب كثيرا، لكن في احدى زياراتي كنت ومن معي بضيافة اهل احدى القرى غير المعترف بها، والمهدد اهلها بالتهجير والطرد اليوم، وكل ما سمعته عن كرم البدو واحتفاءهم بالضيف عبر الروايات التاريخية، رأيته بعيني يومها. الا ان اعتزازهم بتقاليدهم العريقة واصالتهم البدوية هو ما يجعلني الان غير قادرة على تخيلهم دون خيامهم ونمط حياتهم المتوارث منذ قرون سبقت وجود اي محتل في ارض فلسطين.
وبهذا يريد مخطط «برافر- بيغن» ان يسلب اراضي اهل النقب، وايضا سيسلبهم هويتهم الاصيلة التي ظلوا يتمسكون بها حتى بعد 65 عاما من النكبة والاحتلال، وفي حين تحول معظم فلاحي فلسطين المحتلة الى «اهل مدن» وتخلوا عن حياة الزراعة التقليدية (ومثلهم ايضا بدو شمال فلسطين)، تمسك بدو النقب وحدهم بهويتهم التي ميزتهم دائما، وبنمط حياتهم المتوارث ابا عن جد.
لهذا انتفض النقب، ومعه انتفض شعب كامل، تجمعهم كلهم خيمة فلسطينية واحدة وقلوبهم على نداء أوحد: «من ترشيحا للنقب، كل الارض للعرب»!