عمان | «مساحتها تقريبا 3 متر على مترين ونص، قستها وأنا زهقان، لون الحيطان رمادي، وكثير فيها حفر بقدرش اركي ظهري عليها، ما بعرف إذا الدنيا ليل أو نهار، لأنو ما فيها شبابيك لا بدخلها الشمس ولا الهواء، فيها ضو أصفر صغير 24 ساعة مضوي في عيوني، ومعلقة وكاسه بستخدمهم طول ما أنا موجود وما بتغيروا، وفيها فرشتين ملزقين بعض، ريحتهم بشعة كثير بنام عليهم، وبالزاوية حمام بوجه الباب أرضي، بس هو عبارة عن حفرة بالأرض، مكشوفه وسخه كثير، بستحي استخدمه لأنو بخاف ينفتح الباب فجأة علي أو يشاركني حدا بالمكان. ما عندنا دش، كل يومين بطلعونا ناخد حمام بس ما بنغير أواعينا لأنو مافي غيرهم». بهذه العبارات وصف الفتى الاردني من أصل فلسطيني، محمد مهدي سليمان (16 عاماً)، معاناته اليومية مع زنزانته في سجن الجلمة، منذ أن اقتحمت قوات الاحتلال منزله في 15 آذار الماضي وحققت معه بتهمة رشق إحدى الدوريات العسكرية بالحجارة.


ومنذ اللحظة الاولى من اعتقال محمد، تعرض الفتى لأقسى أنواع التنكيل والضرب المبرح والاهانات خلال استجوابه على أيدي المحققين.
يقول في إفادته التي حصلنا عليها عبر محاميته هبة المصالحة إنه «في ليلة 15/ 3/ 2013 اقتادتني القوات الاسرائيلية للتحقيق معي. انهال ثلاثة جنود علي بالضرب بأرجلهم وأيديهم. أوقعوني أرضاً ليزداد ضربهم، مسبّبين لي ألماً قوياً في أصابعي. وبعد ساعات أخذوني إلى الكابتن مقيداً بالحديد، وطلب منهم إرجاعي بغية استكمال التحقيق الذي استمر من الثالثة فجراً حتى السابعة صباحاً، لارغامي على الاعتراف برشق الحجارة على سيارات الاحتلال في منطقة أريئيل، وذكر أسماء الذين كانوا معي في ذاك الوقت. رفضت الاعتراف بشيء، فأخبرني المحقق أنه سيأخذني الى سجن الجلمة لاستكمال التحقيق».
يستكمل محمد أحداث الليلة الأولى من اعتقاله، وهو ينتظر محاكمته المؤجلة قائلاً: «عصبوا عينيّ، وأخرجني أحد الجنود من المنزل، وبعد 50 متراً من المشي، دفعني الجندي داخل جيب بقوة وأجلسني أرضاً، ثم ضربني جنديان على وجهي وظهري عشوائياً بالبواريد، حتى أنزلوني في منطقة تدعى الييجير. أدخلوني العيادة لإجراء فحص طبي سريع وأنا عارٍ تماماً، لينقلوني الى مركز تحقيق في الجلمة».
الساعة 11:30 وصلنا معتقل الجلمة، أنزلوني مقيد اليدين والرجلين وصوّروني صوراً عديدة، وأدخلوني الى عيادة للفحص ثانية بعد تفتيشي، ثم أخذوني الى الطابق العلوي لحمام مساحته متر على نصف متر، وبقيت في داخله ساعة واقفاً».
بعد ذلك؟ «دخل سجان ليفك قيودي، وطلب مني خلع ملابسي ليفتشني مرة أخرى، وأمر أن أقف وأجلس مراراً. وبعد انتهاء التفتيش ناولني ملابس «الشباس» وسحبني الى غرفة تحقيق ليجلسني على كرسي بلاستيكي صغير، معيداً تقييدي بالحديد».
«بعد مضي ساعة دخل محقق، وعندما سألني ماذا فعلت يوم الخميس، أجبته بأنني كنت في العمل، فصرخ قائلاً: امشِ دغري مشان أكون مليح معك، ويا ويلك إذا لفيت شمال ويمين! أنا بلف يمينين وشمالين!».
«في هذه اللحظة شعرت بالخوف، يقول الفتى، فكرت في أهلي ووضعهم بعد اعتقالي وحبسي، ولكني حاولت أن أتماسك. شعرت بوجع في قدمي فحركتها، غضب المحقق وصاح بي: لا تتحرك وابقَ ساكناً. خرج المحقق، فانتهزت الفرصة، وحركت قدمي ويدي ورقبتي التي كانت تؤلمني كثيراً.. حتى دخل محقق آخر، وبمجرد أن نظر إليّ قال: شايف الكرسي الي قاعد عليه، ستبقى جالساً عليه يومين ثلاثة عشرة ايام حتى تعترف. ثم دخل محقق ثالث، وطلب مني الاعتراف، وبقي الثاني جالساً قبالة الكمبيوتر ، ثم قال: سأكتب ورقة وتوقّع عليها! قلت: ما بوقعش على إشي ما بعرفو. فصرخ مهدداً: ستوقّع غصباً عنك إذا مش اليوم بكره..».
في الثامنة مساءً، وللمرة الأولى، سألني المحقق إذا كنت أرغب في الأكل أو الشرب، أجبته بالنفي. بعدها دخل السجان وفك يدي، فوجه المحقق لي الكلام قائلاً: «قوم يلا شوف الفندق اللي عنا. أخذوني لزنزانة رقم 36 موجودة تحت الأرض، وكان فيها معتقل اسمه باسم عزون».
في اليوم التالي، يروي محمد، «استمر التحقيق معي، عصبوا عيوني وقيدوني، وهذه المرة كان مدير المخابرات بانتظاري ليقول لي: جميع أصدقائك اعترفوا بما قمتم به يوم الخميس، وخلصوا حالهم، ومش راح ينحكموا إلا كم شهر، وإذا ما اعترفت راح تحمل كل التهم، وتنحبس لسنين، أو بنخليك ترجع عالبيت ونظل نجيبك هون، وطبعاً بصير أمرك مشكوك فيك في بلدك، وبشكوا فيك، وراح يعتقدوا إنك جاسوس! شو رأيك؟ مش الأفضل إنك تعترف؟».
يقول محمد: صدقت كلام الضابط، وخفت كثيراً... لكن لما وصلت مجدو، اكتشفت إنو صديقي كليب كان أيضاً في الجلمة وباقي الأصدقاء اعتقلوا بعد ثلاثة أيام» .
يقول محمد «رجعني السجان للزنزانة، وفي اليوم الثالث بقيت في الزنزانة، وبعد ساعات، دخل شخص اسمه «أبو العبد»، وادّعى أنه من التنظيم، وأنه أسير منذ سنين، وسألني إذا بدي إشي. أعطاني دخان، وطلب مني أصلي عشان ربنا يساعدني، ودلني على اتجاه القبلة.. في اليوم الرابع ، قدم السجان لي ملابسي العادية، لأنه سينقلني الى سجن آخر، وفعلاً نقلوني الى غرفة كبيرة، فيها 12 فرشة وتلفزيون، ودخل علينا أسير اسمه «أبو أحمد»، وقال أيضاً إنه من التنظيم. تحدث معي وسألني أسئلة كثيرة، وكان يحضر لي الطعام والدخان، وكان معنا «كليب». واعترفنا له بكل شي.. وبعد ثلاثة أيام أعادوني الى زنزانتي الأولى». أخذوني للتحقيق مجدداً، وهناك قال لي المحقق: كيف شبابنا؟ اعترفتلهم صح؟ فأجبته: صح، بس طلعوني من هون.. ثم رجعوني للزنزانة بعد اعترافي، وبقيت ثلاثة أيام ثم أعادوني للتحقيق ثانية. وبعد أن كتب المحقق الافادة ووقّعت عليها، أعادوني لمكاني، وبعد مرور أسبوعين أخرجوني ثانية للتوقيع على إفادة جديدة، رفضت، فأجابني المحقق: «توقعش أنا بوقّع مكانك، لأنو توقيعك صار عنا» .
لغاية الآن معاناة محمد لم تنته. فقد مددت قوات الاحتلال اعتقاله مرات عدّة بعد أن حولته الى المحكمة العسكرية، وكان آخر تمديد لتاريخ 30 حزيران المنصرم حيث عقدت جلسة لمحاكمتة دون حضوره، وتم توجيه أربعة اتهامات له: الشروع في القتل وتكسير سيارات الاحتلال وإصابة 18 جندياً ومعاداة إسرائيل. وبتاريخ الخامس والعشرين من آب المقبل ستكون هناك جلسة أخرى لمحاكمته.




يشتكي والد محمد رفض إدارة السجون الإسرائيلية المتكرر زيارة ابنه. «والدته فقط رأته عند عرضه لجلسات المحكمة من دون أن تتحدث اليه، ورفضت جميع طلبات الزيارة التي قدمتها».
كذلك أبدى أبو محمد تخوفه من تعرض ابنه لحقن التجارب التي يتعرض لها الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأن يتم انتزاع اعتراف من ابنه بطرق غير سليمة.
ويضيف أبو محمد «لم يبق باب إلا طرقتة. فقد ذهبت إلى وزارة الخارجية وجميع المؤسسات الحقوقية بغية التدخل وتخليص ابني الطفل الذي يتعرض لشتى أنواع التعذيب والتنكيل، ولكن لا جدوى». يستكمل قائلاً «أناشد الملك والملكة وحقوق الانسان وحقوق الطفل وجميع المحافل الدولية التدخل للإفراج عن ابني» .