إسطنبول | تراقب الحكومة التركية ومعها الرأي العام التركي الحرب الدائرة بين مسلحي «جبهة النصرة» والمجموعات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي (الموالي لحزب العمال الكردستاني) عن كثب، وتضع العديد من السيناريوات لمواجهة كل الاحتمالات في المنطقة، وخاصة بعد المعلومات التي تتحدث عن مساعي الأكراد لإقامة حكم ذاتي في المنطقة الكردية السورية بعد طرد جميع مسلحي «النصرة» منها. وجاءت المعلومات التي تحدثت عن سيطرة الأكراد على عين العرب وتل أبيض، وهي بوابات حدودية مهمة مع تركيا، لتضع حكومة رجب طيب أردوغان أمام تحديات مهمة وصعبة جداً.


فأنقرة تدعم «الجيش الحر» وجماعة «النصرة» من جهة، ودخلت في حوار استراتيجي مع حزب «العمال» من جهة أخرى، بهدف حل المشكلة الكردية في سوريا.
وسعت أنقرة من خلال هذا الحوار، أيضاً، إلى حضّ أكراد سوريا على التمرد على النظام في دمشق، حيث أدّت دوراً أساسياً مع قطر في انتخاب الكردي عبد الباسط سيدا، رئيساً للمجلس الوطني السوري وبعد ذلك الكردي غسان هيتو رئيساً للحكومة السورية الموقتة. كذلك أدّت دوراً مهماً في نجاح مسلحي «النصرة» بالسيطرة على مدينة الرقة، حيث تحدث الإعلام التركي قبل ذلك عن العديد من الاجتماعات السرية لرؤساء العشائر والجماعات المسلحة في مدينة أورفا الحدودية مع سوريا. كما يعرف الجميع أن غالبية مسلحي الجماعات الجهادية الأجنبية قد دخلت سوريا عبر الحدود مع تركيا وبدعم وحماية وتسليح من الجانب التركي، الذي تحول إلى طرف أساسي في المعادلة السورية منذ بدايتها. ودون أن تكون كل هذه التطورات كافية بالنسبة إلى أردوغان ووزير خارجيته أحمد داوود أوغلو حتى يعيدا النظر في سياساتهما في سوريا، حيث أثبتت فشلهما، مهما كانت الحسابات التركية السرية. فالأكراد سيسيطرون على ٥٥٠ كم من الحدود السورية مع تركيا في حالة إعلانهم حكماً ذاتياً أو فدرالية مستقلة في كردستان سوريا، على الرغم من أنهم لا يشكلون الأغلبية هناك. بالمقابل، يسيطر وسيسيطر مسلحو «النصرة» على الحدود الباقية بين سوريا وتركيا وطولها ٣٥٠ كم تقريباً.
وهذا، بدوره، سيخلق لتركيا العديد من المشاكل مستقبلاً؛ لأنّ «النصرة» لا ولن تأتمر بأوامر أنقرة التي إن فشل حوارها مع عبد الله أوجلان ستواجه الأمرّين من الأكراد بعد سيطرة الاتحاد الديموقراطي الكردي على المنطقة الكردية السورية، وهو ما سيرفع من معنويات أكراد تركيا ويستقوون أساساً بالكيان الكردي المستقل في شمال العراق، حيث دعا مسعود البرزاني جميع الأحزاب والمنظمات الكردية في سوريا والعراق وإيران وتركيا إلى مؤتمر قومي كبير في أربيل، قريباً، لتقرير مصير «الأمة الكردية» في المنطقة، وهو الموضوع الذي سيضع كل دول المنطقة أمام تحديات مهمة وصعبة، وخاصة إذا استمر الوضع على ما هو عليه في سوريا؛ فالرئيس الجديد لـ«الائتلاف» المعارض أحمد الجربا، من محافظة الحسكة، وهو من عشيرة شمر التي لها امتدادها في العراق والكويت وحتى في السعودية التي أدت دورا أساسياً في انتخابه. ويذكر أن أول رئيس موقت للعراق، وهو عدنان الياور، كان أيضاً من عشيرة شمر التي يبدو أن البعض إقليمياً ودولياً يريد لها أن تؤدي دوراً مهماً في سيناريوات المنطقة، وخاصة سوريا والعراق، حيث يسعى السنّة في الأنبار والمناطق الغربية من العراق إلى إعلان كيان فدرالي مستقل، قد تنضم إليه منطقة شرق سوريا التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة التي تريد لها أنقرة أن تكون صمام الأمان لمواجهة أي حسابات كردية سورية أو عراقية مستقبلية.
وسيدفع ذلك حكومة أردوغان إلى مزيد من التورّط في مستنقع الشرق الأوسط بكل معطياته ومعادلاته المعقدة، التي كان الأتراك بعيدين عنها طوال السنوات الماضية.