التطوّرات المتسارعة، التي تشهدها بلدان معنيّة بالأزمة السورية الراهنة، أو أخرى ضالعة فيها، وسلوك دول بارزة في الإقليم وفي العالم، وكيفيّة تعاملها مع «الملف السوري»، تعيد مجدّداً سيرة سوريا، كما كانت عبر تاريخها: مرآة للمصالح المتنافسة، يكاد يُمتنع فهم شؤونها الداخليّة بمعزل عن خلفيّة أوسع.

في الخلفية جوارها الجغرافي من جهة، وصراع القوى الكبرى ذات النفوذ والمصالح، خصوصاً في نزوعها لقيادة «الشرق الأوسط» والتحكّم فيه من جهة أخرى، الأمر الذي لا بدّ لمن يودّ بلوغه من السيطرة على سوريا. هذا «الشرق الأوسط» الذي قال عنه يوماً الجنرال أيزنهاور «ليست هناك، في ما يتعلّق بالقيمة الخالصة للأرض، استراتيجيّاً ومادّياً، منطقة في العالم أكثر أهمية من الشرق الأوسط».
بعيداً عن الأسباب الداخليّة الكامنة وراء ما يجري في سوريا، يحاول هذا النصّ تلمّس البعد الاستراتيجي للنزاع، والذي يُساعد فهمه على تفسير مواقف بعض الأطراف الخارجية من الأزمة.
لا تتوقف التصريحات والمواقف المتعلّقة بالشأن السوري، تصدر من مختلف العواصم الإقليميّة والعالميّة، بشكل شبه يومي. ورغم حضور «ملفّ الأزمة السوريّة» ضيفاً دائماً على طاولة مجلس الأمن الدولي، منذ نحو عامين، لم تنجح الدول الأعضاء في التفاهم حيال تشخيص الأزمة وسبل حلّها، نظراً لانقسام أصحاب حق النقض (veto) بين داعمي النظام، روسيا والصين، (استخدمتا حق النقض لصالحه مرّات عدّة)، وبين من يدعم جهود المعارضة لإسقاطه، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، (سعت مراراً لاستصدار قرارات من مجلس الأمن لإدانة النظام، أو السماح باتّخاذ إجراءات بحقّه).
لا تقتصر المسألة على السياسة اليوميّة أو المصالح الآنيّة والمباشرة. ثمّة في العمق بعد إستراتيجي للصراع يتجلّى، بصورة أساسيّة، في تناقض المصالح الحيويّة وتعارضها بين كلّ من الولايات المتحدة وحلفائها، وأبرزهم إقليميّاً تركيا، وبين مصالح روسيا والصين وحليفهما الإقليمي الأبرز إيران، مما يجعل أدوار الشركاء الآخرين، في الميزان الاستراتيجي للصراع، ثانويّاً وتبعيّاً، رغم ما يناله من تضخيم إعلامي، كالسعودية، قطر، ودول بريكس (الوضعيّة الخاصّة والمميزة لإسرائيل في الثوابت الأميركيّة أكبر من أن توصف بالتحالف، وبصرف النظر عمّن يحكم سوريا، فإنّ المصلحة الإسرائيلية تكمن في إضعاف سوريا، سواء بتدميرها من خلال الحرب، أو بتفتيتها عبر التقسيم الطائفي).
إنّه صراعٌ بين إستراتيجيّات الولايات المتحدة وروسيا، بوصفهما العنوانين الأهم، ومن ثمّ تركيا وإيران، بالنظر إلى التنافس الإقليمي بينهما، ولكون كلّ منهما اللاعب الإقليمي الأبرز في سياق المصالح الأميركية والروسيّة، كما سيأتي بيانه.
إلى جانب السيطرة على منابع وممرات النفط وضمان أمن إسرائيل، كثابتين أساسيين تلتزم بهما الإدارات الأميركية المتعاقبة، فإنّ الإستراتيجية الأميركية الحاليّة في الشرق الأوسط، تبدو استمراراً لما كانت تعمل عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية للإحاطة بالاتحاد السوفياتي (آنذاك) والضغط عليه عن طريق أنظمة الأحزمة المتعاقبة. حيث عملت منذ منتصف الستينيات على إحاطة الاتحاد السوفياتي السابق ودول غير حليفة لها بما يسمّى في الفقه الإستراتيجي الأميركي «قوس الأزمات»، أي القوس الذي يتيح لأميركا عزل الاتحاد السوفياتي ومحاصرته. «قوس الأزمات»، هذا، يمتدّ من بحر البلطيق ويخترق أوروبا ليمر عبر تركيا ويتجه شرقاً حتى يصل إلى الصين (للمزيد في هذا الشأن راجع: جورج عين ملك، السياسة الأميركية آلية التدخل والعدوان، الطبعة الأولى، دمشق، 1986).
لم تتوقّف تلك السياسة بعد انهيار الإمبراطوريّة السوفياتيّة، ذلك أنّ «كون الحكام في موسكو قد أصبحوا غير شيوعيين لا يعني أنهم لم يعودوا من الروس»، وفق تعبير الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون.
ومع تولّي حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، سعى قادته إلى أداء دور في المنطقة العربية، وكان ذلك من البوابة السورية. السياسة الجديدة لتركيا، وهي العضو في حلف الناتو، وتقدّم للحلف من الجنود أكثر ممّا يقدّمه أي عضو آخر، توافقت مع التوجه الاستراتيجي الأميركي على مد النفوذ التركي جنوباً ليتصل بالأردن والخليج العربي (حلفاء واشنطن المخلصين)، بغية إغلاق البحر المتوسط أمام التغلغل الروسي والإيراني والصيني.
وإن وجود حدود مشتركة مع سوريا، بطول ثمانمئة وخمسين كيلومتراً، يجعل من شرق الأناضول امتداداً جيو سياسيّاً طبيعيّاً لسوريا. وهو ما حدا بمهندس السياسة الخارجية لتركيا الأردوغانية، أحمد داوود أوغلو، إلى الجزم بأنّ الدفاع عن الأناضول يبدأ في مناطق سوريا الشماليّة، لما لها من تأثير على الأمن القومي التركي. وإنّ الطموح التركي الشرق أوسطي، مدعوماً من الولايات المتحدة، سيصطدم مع إيران صاحبة النفوذ المتنامي، وحليفة موسكو في المنطقة.
في المقابل، تُعدّ العلاقة الوثيقة مع دمشق عنصراً أساسيّاً في استراتيجيّة روسيا الشرق أوسطية، منذ خمسينيات القرن الماضي، أي منذ ما قبل النظام الحالي. فقد أتاحت سوريا للروس قاعدة هامّة على الساحل الشرقي للمتوسط، وهو طموح تاريخي يعود إلى أيام بطرس الأكبر. وهم اليوم لن يسمحوا بخسارة هذه القاعدة بأي ثمن، خصوصاً بعد الضربة القاسية التي أصابت مصالحهم الحيويّة في غرب المتوسط، بفقدانهم لطرابلس الغرب نتيجة «الخديعة» التي تعرّضوا لها في ليبيا على يد الغرب، حين تحول القرار الدولي لحماية المدنيين الليبيين إلى ذريعة للتدخل العسكري وفرض الوصاية الغربية على ليبيا.
وإنّ العلاقات الروسيّة ــ الإيرانية تكتسي منذ سنوات طابعاً استراتيجيّاً. ذلك أنّ روسيا الساعية إلى استعادة دورها كدولة عظمى، وجدت في إيران الدولة الأكثر أهمية من حيث موقعها بين أغنى منطقتين نفطيتين في العالم (الخليج وبحر قزوين). تتلاقى المصالح الروسية مع الطموح الإيراني إلى دور إقليمي فعال ومؤثر في المنطقة، وهو مشروع يحتاج إلى دعم الحليف الروسي، ذي القدرات العسكرية والتقنية التي تحتاج إليها إيران لتحقيق مشروعها. وفي وقت يعتبر فيه الأميركيون أنّ منع أعداء محتملين من الحصول على أسلحة نووية هو مصلحة حيوية للولايات المتّحدة، فإنّ موسكو تدعم طهران في برنامجها النووي، منذ كانون الثاني 1995، حين وقع الجانبان اتّفاقاً يقضي ببيع إيران مفاعلات نووية لبناء محطة بوشهر الكهرذرية.
إن بعض الخطاب الإعلامي، الذي يُرجع التحالف الاستراتيجي العسكري والتقني والسياسي الإيراني ــ السوري، إلى اعتبارات طائفية أو مذهبية ضيقة، يُغفل أنّ تمسّك إيران بتحالفها مع النظام، سببه المنفعة الاستراتيجية التي حققها هذا التحالف، إذ كسر العزلة الدولية التي كانت الولايات المتحدة تسعى إلى فرضها عليها منذ سقوط الشاه، ووفّر لها إطلالة على العالمين العربي والإسلامي على حد سواء، وعلى البحر المتوسط، إضافة لمد نفوذها في لبنان من خلال حزب الله. ومع سعي الولايات المتحدة المستمر إلى إضعاف إيران، فإنّ خسارة سوريا ستعني إحكام الطوق على إيران وعزلها تمهيداً لضرب نظامها (الحليف لروسيا والصين)، في سياق الاستراتيجية الأميركية، الرامية إلى الحد من النفوذ الصيني والروسي في المنطقة، بحشرهما داخل آسيا.
خلاصة القول، إنّ الدعم الذي تقدّمه مختلف القوى لأطراف النزاع في سوريا، تحت شعارات الحرص على سوريا وشعبها، لا غاية منه سوى الحفاظ على المصالح وتعزيزها، وإنّ من بين أسباب استمرار نزيف الدم السوري استعصاء المعضلة الاستراتيجيّة، التي يسبّبها الموقع الجيو سياسي لهذا البلد.
* كاتب سوري