حلب | عرس حقيقي في البيوت الحلبية. زغاريد الفرح غطت على أصوات الرصاص والانفجارات. المدينة كانت في يوم سعدها مع إعلان نتائج شهادة التعليم الأساسي. 15 طالباً وطالبة نالوا العلامة التامة من أصل 38 على مستوى سوريا، رغم أن نسبة الالتحاق بصفوف هذه الشهادة كانت الأدنى في تاريخ البلاد والمحافظة.

سالي التي نزحت من بيتها في الميدان إلى بيت جدها في السليمانية، وشهد بكداش التي نزحت من كفر حمرة إلى حيّ حلب الجديدة، ونبيل النازح من حيّ الشيخ مقصود إلى الجابرية، ومحمد حنينو المحاصر في مخيم النيرب، وآخرون حصلوا على العلامة التامة في ظروف مريرة.
إيمان، المهندسة والأم لطالب متفوق، تقول «نزحنا قبيل الامتحان بشهرين تحت قصف القذائف أثناء سيطرة المسلحين على حينا وبيوتنا. لم نحمل سوى الكتب لأن العلم هو غايتنا وأسلوب نضالنا في الحياة، أما دعاة الجهل والظلام فلا يمكنهم إطفاء نور العلم».
أما عبد الله صايغ فيروي أنّه «نزحنا من حيّ الميدان بعد تصاعد هجمات وعنف المسلحين. كان عاماً استثنائياً، كهرباء مقطوعة أغلب الوقت ولكن تفوق ابنتي سالي أنسانا المحنة والعذاب».
بدورها، قالت رفيف، والدة الطالبة راما لوزي حباب، «جاء تفوق راما لينسينا القهر والألم لما يجري في بلدنا، رغم الظروف الصعبة تفوقت ابنتي على نفسها وانتصرت على من يحاول فرض الجهل علينا».
فور إعلان النتائج التقط المعارضون جزئية من الخبر، أي حصول 10 من محافظة طرطوس على العلامة التامة، لتبخيس نجاح الحكومة في إجراء الامتحانات العامة، فرد «المؤيدون» بتأكيد حصول 15 طالباً وطالبة من حلب من أصل 38 على العلامة التامة في الامتحان لنفي تهمة الطائفية، فعاد المعارضون لإطلاق حملة مضادة روجت أن الغش الامتحاني وتواطؤ الدولة هو سبب حصول هذا العدد الكبير من حلب على هذه العلامة.
المخرج السينمائي الحلبي سمير ذكرى، الذي أمضى نصف قرن في حزب البعث الحاكم والمؤسسة العامة للسينما التي أنتجت أفلامه، كتب على صفحته على موقع «فايسبوك»: «إلى متى هذا الغباء والاستفزاز»، معتبراً أنه من المؤكد أن الأوائل «لن يكونوا من القصير وبابا عمرو الذين يقصفهم النظام كل يوم، أو من مخيمات الزعتري وأطمة». المخرج حاول أن يلطف كلامه لكن الحديث العنصري الفج، عن حصول 10 طلاب من طائفة واحدة فقط (تم الحكم عليهم أنهم من طائفة واحدة لمجرد كونهم من طرطوس) على المرتبة الأولى أصبح حديث المواقع والصفحات المعارضة على موقع التواصل الاجتماعي.
لم يختلف الأمر حين اتضاح أنّ الخبر غير صحيح، وأن نسبة كبيرة من الأوائل هم من حلب، إذ جزم الجميع (المعارضين) بأنّ «الدولة ساعدت الطلاب الحلبيين لكي ينالوا الدرجات الكاملة، لنفي شبهة الطائفية عنها، مستندين إلى أرقام الاكتتاب الامتحاني المتقاربة لثلاث من الطالبات».
والد أحد الطالبات المتفوقات، طلب عدم نشر اسمه، معتبراً أنّه «كان مخزياً هذا التعامل اللأخلاقي مع تفوق أبنائنا وبناتنا. هل وصلنا في سوريا إلى درجة أنه يتحتم علينا إثبات أن نتائج امتحانات المدارس ليس فيها شبهة طائفية. سوريا لن تصبح مسخاً لطوائف متصارعة كما يحلم من يقف خلف هؤلاء».
سالي صايغ، وهي إحدى المتفوقات، اعتبرت أنّ «التفوق هو ثمرة جهود تراكمت على مدى سنوات، وسيرتي المدرسية تؤكد أحقيتي وجدارتي بالتفوق، دوماً كنت من الثلاثة الأوائل في مدرستي».
بدوره قال نبيل خليل، أحد المتفوقين أيضاً، «هذه إشاعات مغرضة، لا يمكن أن ينال طالب علامة تامة بالغش، هذا الانجاز حصيلة جهد دؤوب، هنالك درجات تعطى للإبداع الأدبي وهذه لا يمكن النقل أو الغش فيها. أنا متفوق منذ الصف الأول».
أما حبيب أحمر دقنو، وهو مصمم ديكور ووالد المتفوقة ستيفاني، فقال «للأسف هذه الإشاعات مسيئة، وإن كنا لا نهتم بها لكنها مؤلمة، نحن نقدس العلم، ونعرف أن البقاء هو للانجاز وللصدق والإيمان بالوطن».
المتفوقون الأوائل في حلب بعضهم نزح من بيته ضمن المدينة وكثيرون من متفوقي الريف فقدوا درجة أو درجتين، وما كانوا ليفقدوها لو عاشوا عاماً دراسياً مستقراً.
في السياق، اعتبر مصدر في دائرة امتحانات مديرية تربية حلب أنّ إثارة الشبهات حول المتفوقين أمر مقصود وغير أخلاقي، موضحاً، في حديثه مع «الأخبار»، أنّ «الإجراءات الروتينية في التدقيق والمتابعة قبل إعلان النتائج حتمت العودة إلى السيرة الدراسية لثلاث طالبات من قاعة واحدة حصلن على علامة تامة في كل المواد، رغم أنهن من مدرسة خاصة متميزة».
واعتبر المصدر أنّ «وجود أرقام اكتتاب متتالية لا يعني وقوع غش، وعدد الطالبات في هذه المدرسة لا يزيد على 70، ورغم ذلك نحن لدينا إجراءات تدقيق رصينة وهذا ليس تشكيكاً بطلابنا».
وطرح مثالاً المتفوقتين سالي وستيفاني حيث أرقام الاكتتاب تتوالى وفق الأحرف الأبجدية، ومن الطبيعي أن يكون لهما رقما اكتتاب متتاليان.