إسطنبول | يبدو أن الرهان الأكبر بالنسبة إلى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان كان على القاهرة، بعد وصول الإخوان المسلمين الى الحكم، نظراً إلى العلاقة الفكرية والإيديولوجية بين حركتي الإسلام السياسي في تركيا ومصر. لكن العلاقة بين الطرفين لم تصل الى حد التطابق، فبقي لكل إسلام من الإسلامين خصوصيته.

ربما يفسّر التداخل والتشابك السريع والواسع بين أردوغان ومرسي وبين حزبي العدالة والتنمية الحاكم في تركيا منذ نهاية 2002 والإخوان الذين تسلموا السلطة في مصر، سر هذه العلاقة، مع فارق أن مصر لم تصبر على مرسي كما صبر الأتراك على أردوغان.
ثمة أسباب عديدة، منها سياسية واقتصادية، ومنها ثقافية وتاريخية ونفسية واجتماعية، والأهم دينية، قد تحول دون أن يكون الطرفان في حالة تطابق أو تشابه. ففي نهاية المطاف يختلف الإسلام في تركيا فهماً وتطبيقاً عما هو عليه في مصر، مسقط رأس الإخوان المسلمين الذين يقرأون ويفهمون القرآن الكريم بلغته العربية، وهو ما لا يستطيع الأتراك أن يفعلونه، خاصة بعد سياسات مصطفى كمال أتاتورك الذي أراد أن يغيّر المجتمع التركي فأصبح يختلف تماماً عن المجتمعات العربية والإسلامية، لا سيما تلك البعيدة عنه، أي شمال أفريقيا.
لكن تشابه تركيا لا يزال مستمراً مع الجارة سوريا ولبنان وفلسطين من ناحية اجتماعية.
لم يبال أردوغان بكل هذه التناقضات والاختلافات بين تركيا ومصر، واعتقد أنه يستطيع أن يقرّب بين الإسلاميين الأتراك والمصريين ومعهم الإسلاميون في تونس وليبيا والمغرب وسوريا وباقي الدول العربية. بيد أنه لم يهتم بالإسلاميين في باكستان أو أفغانستان وباقي الدول الإسلامية، بما فيها تلك ذات الأصل التركي في آسيا الوسطى والقوقاز، ما دامت الأولوية لحلفائه الأساسيين العرب للوقوف في وجه إيران والعراق ولبنان داعمي الرئيس السوري بشار الأسد.
ومع رهان أردوغان هذا على «الإخوان» في الدول المذكورة آنفاً، راهن إخوان مصر بدورهم على أردوغان، الزعيم التركي العثماني العظيم حفيد السلطان سليم ومحمد علي باشا، واعتقدوا أنهم سيستطيعون من خلاله أن يحققوا كل أهدافه العاجلة في تحويل مصر إلى دولة إسلامية وفق نموذج تركي، رغم استحالة تمكن الإسلاميين المصريين والعرب من تقبّل هذا النموذج لأسباب كثيرة.
أما في حالة مصر، فقد جاء الفشل سريعاً ليضع مرسي أمام إرادة الشعب المصري والمعادلات الجديدة في المنطقة، بعد أن اقتنع شباب مصر ومثقفوها بأن مرسي يقتدي بأردوغان الذي لم يسمح حتى بتظاهرة صغيرة في ساحة تقسيم. وبالتالي فإنه سيفعل بمصر كما فعل أردوغان في تركيا، حيث سعى الأخير ولا يزال للسيطرة على جميع مرافق البلاد ومؤسـساتها وتحويلها الى حديقة خلفية لحزب العدالة والتنمية الإسلامي.
لعل هذا ما يفسر المشاركة الكبيرة في تظاهرة 30 حزيران الماضي في عموم مصر، بعد أن قرر الشعب المصري بكل فئاته ألا يسمح لمرسي بتحويل مصر إلى تركيا جديدة رغم كل إيجابياتها، في مقابل سعي رئيس الوزراء التركي إلى أن يتخلص من الإيجابيات التي تعيشها بلاده كلما اقترب من إخوانه المسلمين في المنطقة العربية والعالم أجمع.
وقد يكون اجتماع إسطنبول الذي ضمّ قيادات وممثلي جميع التنظيمات الإخوانية في العالم أخيراً، محطة مهمة في علاقة أنقرة الإسلامية مع التنظيم العالمي. هذا اللقاء الذي تضمن محادثات حول مزيد من التنسيق والتعاون بين التنظيمات الاسلامية والزعيم الأكبر التركي، يشير الى أن الرجل لن يتراجع بسقوط «الإخوان» في مصر وفشلهم في سوريا. بل سيستنفر كل إمكانياته السرية والعلنية لإعادتهم إلى السلطة أو إبقائهم ضمن المعادلات السياسية في بلادهم، حتى لو اضطره ذلك إلى التحالف مع الجماعات الإسلامية المتطرفة كما هي الحال في سوريا، حيث دخل جميع مسلحي القاعدة والنصرة عبر الحدود التركية وحصلوا على الدعم الوافي والكافي من حكومة أردوغان، حسب اعترافاتهم وتصريحاتهم لوسائل الإعلام التركية والغربية.
يبقى الرهان على جماهير الشعب المصري التي راقبت كل ما حدث ويحدث في تركيا واستخلصت منه الدروس اللازمة والكافية، وسدّت الطريق على مرسي وإخوانه المسلمين. فإذا استمر هذا الوعي المصري، فسيعيش أردوغان انتكاساته الجديدة التي ستخلق له الكثير من المشاكل على طريق تحقيق مشاريعه الداخلية من أجل أسلمة الدولة والمجتمع التركيين، مستفيداً من الواقع السياسي الذي يعيشه الداخل التركي بغياب المعارضة الجدية والفعالة.
ويبدو أن أردوغان ماضٍ في تطبيق برنامجه السياسي رغم كل ما شهدته تركيا من تظاهرات ضد سياسات حكومته على جميع الأصعدة وبشكل خاص القضاء على الحريات الفردية وحق التعبير عن الرأي.
ولا بد من شرط وحيد للمصريين حتى يحافظوا على وحدة بلادهم وألا تكون تركيا ـــ أردوغان ثانية، وهو التحالف العاجل والاستراتيجي بين كافة فئات المجتمع المصري الذي عليه أن يعرف أن حكم الإخوان لن يرحم أياً منهم بكافة انتماءاتهم ومواقعهم المدنية والعسكرية، كما لم يرحم حكم أردوغان أياً من معارضيه ومنافسيه وأعدائه من العسكر والمدنيين، ولكن بدعم أميركي.