دمشق | بينما كانت إحدى لجان التجارة الداخلية وحماية المستهلك تقوم بجولة على أحد أسواق دمشق، بهدف المراقبة وضبط الأسعار قبل شهر رمضان، انطلق صوت بائع ينادي مروّجاً لإحدى المواد الغذائية أمام الإعلاميين وأعضاء اللجنة الذين تجاهلوا الأمر «اليوم الكيلو بـ400 ليرة بكرا بـ500، قرّب واشتر بكرا رح تغلا»، ليختصر هذا المشهد العجز الحكومي وجرأة التجار الذين باتوا الحاكم الوحيد للسوق، والمتحكمين الرئيسيين في قوت السوريين.

وعلى ما يبدو، لم تعد تنفع التصريحات الحكومية، والوعود المتكررة بالتدخل لخفض الأسعار وإيقاف «جشع» التجار، في امتصاص غضب السوريين الذين وصلت معاناتهم مع دخول شهر رمضان إلى مستوى فاق كل التصورات، لا سيما بعد أن أطلق بعضهم، في محاولة «لأخذ الحق باليد»، حملات عدة على صفحات التواصل الاجتماعي لمقاطعة شراء المواد الغذائية بهدف «معاقبة التجار» وتخفيض الأسعار. حملات المقاطعة انطلقت قبل يومين من قدوم الشهر، المعروف تاريخياً باستغلاله من قبل التجار لزيادة الأسعار، تحت عناوين عديدة أبرزها «بدنا نعيش، تجارنا خافوا الله»، لتكون بداية مقاطعة المواد السريعة العطب، والمحكومة بالوقت والحاجة إلى شروط تخزين معينة، وذلك بحسب «بوستر» الحملة، الذي تشارك فيه الكثير من الإعلاميين والسياسيين على صفحاتهم، لتتبناها الأمينة العامة لأحد الأحزاب المعارضة (مجد نيازي) وتعلن مقاطعتها «للبيض والفروج واللبن ومشتقاته والشنكليش» لمدة أسبوع قابل للتمديد في حال عدم الاستجابة، داعية الإعلام السوري إلى مساندة الشعب «لتحطيم التجار والأسعار».
إلا أنّ غالبية الشعب اليوم، بحسب عدد من المعلقين على الحملة، تقاطعهم هذه المواد، منذ أشهر، نتيجة ارتفاع أسعارها، فكيف تطلبون منهم مقاطعتها؟ ويخالف محمود، معلق آخر، وجهة نظر الحملة لأنها «خاطئة في هذه الفترات العصيبة»، التي تعاني فيها سوريا من شحّ الموارد، وستؤدي إلى خسارة المنتج، وليس التاجر، وربما إيقاف إنتاجه.
ويرفض رئيس هيئة «الوفاء لسوريا»، التاجر بشار النوري، في تصريح إلى «الأخبار»، الردّ على هذه الحملات، لأن «من يريد أن يجلب لبناً لابنه سوف يذهب ليشتريه من التاجر» الذي لا يمكننا اتهامه بارتفاع الأسعار، معتبراً أنّ التاجر، «الله يعينه»، من الممكن أن تكون حدود أرباحه 20 في المئة ولكن ليس 300 في المئة، في إشارة إلى مستوى ارتفاع الأسعار اليوم في الأسواق.
وحسب النوري، فإن الهيئة طلبت من التجار، «بنوع من النخوة»، تقديم كميات من المواد الغذائية، بسعر التكلفة، لبيعها خلال الأيام الأولى من رمضان في صالة المؤسسة العامة الاستهلاكية في البرامكة، مشيراً إلى أنّ التفكير اليوم ينحصر في خدمة المواطن ومساعدته على مواجهة الغلاء الذي جاء نتيجة تدهور الليرة وارتفاع أجور النقل وصعوبة التنقل. ويتشارك في هذه الرؤية مع محلل اقتصادي، رفض الكشف عن اسمه، رأى أن فوضى السوق لا بدّ من بحثها من خلال دراسة نسبة الارتفاع والأسباب التي تعيق التحكم الحكومي بنحو قوي في الأسواق.
ولا يتردّد المحلل الاقتصادي، في حديثه مع «الأخبار»، من التعبير عن استغرابه عجز الحكومة عن ضبط الأسعار في المناطق الآمنة، متسائلاً عن دور مؤسّستي الخزن والتسويق والعامة الاستهلاكية، في وقت يجب أن تكون فيه الدولة تاجراً ومستورداً ومصدراً، ليؤكد بعدها أن على الحكومة ألا تكتفي بالتصريحات الوردية، لا سيما أن الوقت لا يسير في مصلحتها.
ووفق المحلل، المطّلع على خفايا الاقتصاد السوري، فإنه يجب إعادة تقويم عمل جميع المسؤولين في الشأن الاقتصادي، معتبراً أن ضعف الدخل في سوريا هو ما يزيد الشعور بالغلاء الذي يأتي، إضافة إلى زيادة سعر صرف الدولار الذي وصل إلى ما يقارب 300 ليرة، نتيجة لقلة المعروض من المواد المحلية الصنع، خصوصاً بعد أن توقفت معامل حلب عن الإنتاج.
لكن حلب اليوم باتت «مدينة منسية»، بعد أن تجاهلها الإعلام وأهملتها الحكومة وحاصرتها المعارضة، كما تقول، نايري غسان، من سكان منطقة السليمانية، معبرة عن الغضب الشعبي والاستياء المتصاعد للواقع الخدمي في المدينة التي تتصدر اليوم المحافظات السورية في الغلاء وقلة المواد التموينية، في محاولة من المعارضة المسلحة لتجويعها، مع بدء رمضان، تنفيذاً «لفتوى شرعية» أصدرتها جبهة النصرة.
وتستغرب، نايري، التي رفضت قبل عام مغادرة عاصمة الشمال مع طفلها وزوجها، عدم تحرك الحكومة لإنقاذ حلب وقلة حيلتها تجاه أهالي المدينة الذين صمدوا في وجه الإرهاب. وأشارت إلى أنّ أسعار غالبية المواد، إن وجدت، ارتفعت خلال الأسبوع الماضي فقط بنسبة تتجاوز 100 في المئة، لتتساءل ماذا سنطعم أطفالنا غداً «إن لم تخف جميع الأطراف المسؤولة عن معاناتنا من الله»؟
وفي المشهد الأخير للساعات الأخيرة، قبل دخول رمضان سوريا، كانت الأسعار تفلت من يد الحكومة، وتتابع طريقها في الصعود يومياً، ليستقبل غالبية السوريين شهر الصوم بجيوب فارغة وغلاء فاحش سيجبرهم، في ما يبدو، خلال الأشهر القليلة المقبلة، على متابعة الصيام لتوفير الأغذية اللازمة لأطفالهم.