القاهرة | تحدث وزير الدفاع المصري والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح السيسي، فأنصت الجميع؛ فما تعتقده أطراف النزاع في مصر أن الجانب، الذي سينحاز الجيش إليه، سيكون هو الطرف المنتصر. لكن ما قاله السيسي لم يعبّر عن انحياز إلى أيٍّ من الطرفين، اللذين يستعدان لمواجهة «30 يونيو»، الموعد المنتظر لانطلاق تظاهرات إسقاط الرئيس محمد مرسي، بعد أسبوع فقط. موجز حديث السيسي في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، أن الجيش لن يقف صامتاً، وأنّه سيتدخل لمنع انهيار الدولة، وأنّ ولاء الجيش لمصر وشعبها، وأنّ انحيازه إلى إرادة الشعب. والأهم هو ما لمّح إليه من وجود فرصة أسبوع أمام الأطراف كافة للتوصل إلى المصالحة؛ أنه حقاً حديث يليق بمؤسسة وطنية تضع في اعتبارها مصلحة الأمة وتقدر مخاطر اللحظة الراهنة.

ما قاله السيسي أول من أمس لم يتضمن أي مفاجأة؛ فهو يأتي في السياق المعتاد للأحاديث الصادرة عن مسؤولين بالقوات المسلّحة، والذي يتفادى دائماً التعبير أو التلميح لأي انحياز سياسي، ويركّز على المصلحة العليا للوطن، والانحياز إلى الشعب ورفض الفوضى وحياد المؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية إلى آخر المقولات الوطنية. المفاجأة جاءت من خارج حديث السيسي، ومن ردود الأفعال عليها؛ فأطراف النزاع في مصر تلقفوا حديث السيسي فوراً وأخذ كلٌّ منهم في تفسيره وتحليله لمصلحته. الجميع رحّب بحديث السيسي وأثنى عليه وثمنه، كما لو كان هذا الحديث يُعلن صراحة الانحياز إلى كل طرف من الأطراف.
جماعة الإخوان المسلمين الحاكمة أعلنت تقديرها لما قاله السيسي، وعدّت انحيازه إلى «الإرادة الشعبية» انحيازاً إلى الرئيس مرسي، الذي جاء عبر صناديق الانتخاب. ورأت فيه تعبيراً عن انزعاج المؤسسة العسكرية «من عمليات العنف التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي تحت دعاوى التظاهر ومحاولات دفع البلاد إلى أتون الفوضى والفتنة والحرب الداخلية وجرّ الشعب إلى الصراع والاقتتال والدماء، مستغلة أجواء الحرية والديموقراطية»، كما جاء في حديث رئيس حزب «الحرية والعدالة»، محمد سعد الكتاتني. وذهب البعض من قادة الإخوان إلى حدّ القول إنّ حديث السيسي جاء بالتنسيق بين وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة. والدليل على ذلك، أنّ السيسي اتجه عقب حديثه مباشرة للقاء الرئيس. مع أن مصادر عسكرية، سبق أن أكّدت لـ«الأخبار»، أنّ اللقاء كان متشنجاً، وعبّر خلالها مرسي عن امتعاضه بنبرة عالية.
كما ذهب تحالف من الأحزاب الإسلامية المصرية إلى الدعوة لتظاهرة مليونية «مفتوحة» يوم الجمعة، تأييداً للرئيس مرسي، تحت شعار «الشرعية خط أحمر»، بحسب ما أفاد حزب «الحرية والعدالة».
«جبهة الإنقاذ»الوطنية، التي تتحالف فيها أغلب قوى المعارضة رحبت، بدورها، ببيان السيسي. وكان تفسيرها لـ«الإرادة الشعبية»، التي ورد في البيان، مختلفاً عن صندوق الانتخاب؛ فهي تتجسّد أكثر في الشارع والميادين وملايين التوقيعات التي جمعتها حملة «تمرد». رأت المعارضة أن كلام السيسي يتضمن تحذيراً لمرسي وجماعته، لأنهم من يمتلك أدوات العنف ويستخدمها ضدّ التظاهرات السلمية. أما التظاهرات التي ستنطلق في 30 حزيران، فهي بالنسبة إليها تظاهرات سلمية ترفع مطالب مشروعة ومدعومة بإرادة شعبية أقوى من إرادة الصندوق.
الحقيقة أنّ كل طرف من أطراف النزاع ينطلق في تفسيره لحديث السيسي من قناعته وأمنياته، لا من حديث الرجل نفسه؛ فالقناعة السائدة أنّ الطرف، الذي ستنحاز إليه المؤسسة العسكرية، سيكون هو الطرف الفائز في الصراع. وهو افتراض يبدو صحيح نظرياً. فالقوات المسلحة هي القوة الأكبر والأكثر تنظيماً وتماسكاً، وإضافتها إلى أي طرف ستعني حسماً في ميزان القوى على الأرض.
لكن ما جرى في مصر منذ الثورة وحتى الآن لا يمت إلى هذا الافتراض بصلة؛ ففي كل مرّة كانت التوقعات تنتشر بقرب تدخل الجيش، بل طُلب منه أكثر من مرّة التدخل، لكن الجيش كان يتجاهل التوقعات والنداءات ويراقب الوضع. لم يتدخل الجيش لترجيح كفّة الثورة على حسني مبارك، بل تركه حتى أصبحت الغلبة واضحة جداً لمصلحة الثورة. وفي موقعة الجمل، حين كان الجيش يحيط بميدان التحرير والبلطجية يقتحمونه على الثوار، كان جنوده يراقبون المعركة الدامية إلى أن هُزم البلطجية. ولو كان في نية الجيش أن يتخذ موقفاً مختلفاً لفعل بذلك عندما أطاح مرسي المشير طنطاوي ورفاقه في المجلس العسكري. والواقع، أنّ المؤسسة العسكرية اضطرت عدّة مرّات إلى الرضوخ للإرادة الشعبية، عندما كانت قوية بما يكفي. حدث هذا عندما أقال المجلس العسكري أحمد شفيق من رئاسة الوزراء، وعندما أُحيل مبارك على المحاكمة تحت ضغط التظاهرات المليونية. يُخطئ من يعتقد أن انحياز الجيش له ضمانة للنصر، بل قد يهمل عمداً عوامل النصر الحقيقية ويتجاهل أجزاءً في خطابه للحرص على دعم مأمول. وعكس تلك الفكرة بالضبط هو الصحيح. المؤسسة العسكرية في مصر لا تنحاز لتنصر، بل تنحاز إلى المنتصر. من يثبت على الأرض أنّه القادر على كسب الشارع والرأي العام وتعبئة الإرادة الشعبية، فهو بالضبط من ستنحاز إليه المؤسسة العسكرية.
إن انتصار الإرادة الشعبية في «30 يونيو» ليست مرهونة بالمرّة في انحياز الجيش إليها. بل العكس، سيضطر للانحياز إليها إذا أحرزت النصر بالفعل على الأرض.الثابت أن المؤسسة العسكرية لا تتحمس كثيراً لخروج الشعب في تظاهرات مليونية، وإن كانت لا تبذل جهداً لمنعها. لكن بمجرد أن ترجح كفة الجماهير في الشارع، فإن الوسيلة الوحيدة لتحقيق حماية الدولة من السقوط هي تلبية مطالب تلك الجماهير.