غزة | بدا خلال أحداث اليومين الأخيرين في غزة، وكأن حركة «الجهاد الإسلامي» قد أعلنت فسخ عقد الزواج مع حركة «حماس» واتفاق التهدئة، فطلّقتهما عن غير تراضٍ، وذلك بعدما جرى الاعتداء على جنازة أحد قادة سرايا القدس الميدانيين، الأحد الماضي، الأمر الذي حدا بها إلى تصعيد لهجتها ضدّ حكومة غزة وحركة «حماس»، ورشق الأراضي الفلسطينية المحتلة بصواريخ المقاومة، لتخرج بذلك عن النص المتفق عليه وتغرّد خارج سرب التوافق مع رفيقتها، وتدخل في حلقة من التوتر مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم ينتظر طويلاً حتى ردّ بتنفيذ سلسلة غارات جوية استهدفت معظمها مواقع تدريب عسكرية تابعة لسرايا القدس، الجناح العسكري للحركة.

ورأى مراقبون أن «الجهاد» لم تنتظر ساعات الصباح لتدكّ المستوطنات الإسرائيلية بصواريخ «غراد»، حيث ضربت النقب الغربي، لتبعث بذلك برسالة قوية إلى حركة «حماس»، مفادها أن المواجهة الحقيقية والفعلية لن تكون يوماً مع الأجهزة الأمنية في غزّة، حتى لو قتل الطرف الأخير شريان الحركة الرئيسي، الذي يغذّي المقاومة الفلسطينية، والمتمثل في أهم قادتها الميدانيين رائد جندية.
إن فتيل الأزمة العالقة حالياً بين الحركتين اشتعل حينما قضى جندية نحبه إثر رصاصةٍ أصابت رأسه أمام منزله في حي الشجاعية في غزة، بعدما توجهت عناصر من أجهزة حكومة غزّة الأمنية إلى منزله بنية اعتقاله بعد تقديم بلاغات ضدّه.
وأكد تقرير الطبيب الشرعي أن الرصاصة أُطلقت عليه من على بعد متر واحد، ما يثبت بطلان رواية الداخلية التي قالت فيها إن الرصاصة خرجت من مسدس القتيل الشخصي عن طريق الخطأ. ورغم تعدّد الروايات حول مقتل جندية، لكن الحقيقة الصامدة أن الجناح العسكري للجهاد الإسلامي خسر دينامو المقاومة وعقل الوحدة الصاروخية فيه.
لم يتوقف الأمر عند مقتل جندية، فقد ازدادت «الجهاد» غضباً بعدما قالت إنه اعتداء من قبل بعض عناصر كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة «حماس»، على القائد محمد الحرازين أثناء تشييع جثمان جندية، ما دفعها إلى وقف كل قنوات الاتصال والتواصل مع «حماس» مؤقتاً.
وأصدرت سرايا القدس بياناً عسكرياً حاد اللهجة، بدأته بـ«أيها الأحرار في زمن العبيد والتابعين وأشباه الرجال» و«أيها الصامدون في وجه زحف قوى التراجع والهزيمة والانبطاح»، في إشارة واضحة إلى أفراد الأجهزة الأمنية الذين تتهمهم الجهاد الإسلامي بقتل من كان على رأس قائمة الاغتيالات الصهيونية. وأكد البيان أن اغتيال الشهيد جندية شكل خدمة مجانية كبيرة للعدو بقصدٍ أو بدونه.
ولم تكتفِ سرايا القدس عند هذا الحد في بيانها، بل أشارت إلى أن «إقدام شرطة حكومة غزة على محاولة اعتقال جندية، ومن ثم إطلاق النار عليه نتيجة مشاركته في كشف مجموعة كانت تعبث بسلاح المقاومة وتحاول سرقته».
لكن حركة «حماس» حاولت تطييب خاطرها، وأعلنت وزارة الداخلية تشكيل لجنة تحقيق عليا للوقوف على تداعيات الحادث «المؤسف».
كذلك أعلن رئيس الحكومة المقالة، إسماعيل هنية، أن: «حادثة مقتل العضو في سرايا القدس رائد جندية بحي الشجاعية لن تشوش على عمق العلاقات المتينة بين الحركتين».
بدوره، نفى المتحدث الرسمي باسم حركة «حماس»، سامي أبو زهري، لـ«الأخبار» انقطاع الاتصالات مع الجهاد الإسلامي، مؤكداً أن الجهود ما زالت قائمة لحل الإشكالية القائمة، وإعادة العلاقات الطبيعية المتسمة بالاحترام بين الحركتين. وأوضح أن جميع الأطراف تترقب نتائج لجنة تقصي الحقائق لدحض أي روايات ملفقة من أي طرفٍ كان.
وحول موقف حماس من الصواريخ التي أطلقت، فجر أمس، على الأراضي الفلسطينية المحتلة، أجاب أبو زهري: «شو يعني بدو يكون موقفنا.. عادي»، ورفض التعليق على ما إذا كانت «حماس» تعدّ هذه الصواريخ حاملة رسائل «نكاية ومكايدة» أو لا.
من جهتها، لم تؤكد أو تنفِ الجهاد الإسلامي مسؤوليتها عن إطلاق الصواريخ نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقال المتحدث الرسمي باسمها داوود شهاب، لـ«الأخبار»: «ربما الصواريخ التي تم إطلاقها أرادت أن ترد على أفيخاي أدرعي الذي سعى لإشعال الفتنة بين حماس والجهاد الإسلامي»، مؤكداً أن حركته لا يمكن أن تنجر نحو صدام داخلي مع «حماس». وأضاف: «تناقضنا الأساسي مع الاحتلال الإسرائيلي، وبندقيتنا تصوّب فقط نحو صدر العدو».
وحول حادثة جندية، أوضح شهاب أن قناة الاتصالات بين الحركتين فُتحت من جديد، فجر الاثنين، بعد أن تلقّت «الجهاد الإسلامي» اعتذاراً رسمياً من القيادات الحمساوية، مبيناً أنه تم الاتفاق على آليات سريعة لإنهاء الخلاف الحالي.