يربط الروس بين الاتهامات الأميركية المستجدة للحكومة السورية باستخدام السلاح الكيميائي والضغوطات التي تعاظمت على إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لتسليح المعارضة، على خلفية التفاهم الروسي _ الأميركي على عقد مؤتمر «جنيف 2» والتطورات الميدانية في سوريا (القصير وعاصفة الشمال في حلب)، إلى جانب تضاعف الاحتمالات بأن تكون سوريا قد حصلت على منظومة صواريخ «إس 300» الروسية.


وتسعى الاتهامات الأميركية بحد ذاتها إلى تهدئة الاضطراب في التحالف الغربي، وإعادة ضبط خطواته في الطريق الإجباري إلى «جنيف 2»، عبر (1) منع انهيار الجماعات المسلحة، و(2) استثمار اللحظة التي شهدت ضرباً للبنى القتالية الأصولية الأساسية في إعادة موضعة «الجيش السوري الحر» وتمكينه من تصدر المشهد القتالي بوصفه جماعة «معتدلة»، و(3) التلويح بإقامة منطقة حظر جوي فوق سوريا باستخدام مقاتلات «اف 16» الأميركية وصواريخ الباتريوت التي باتت حاضرة على الأراضي الأردنية، بما يفيد كذلك في الضغط على الجانب الروسي بما يتعلق بتسليم منظومة صواريخ «إس 300» لسوريا.
خطورة التصريحات الأميركية تنبع من كونها تقدّم لدور أميركي في تسليح المعارضة السورية يأتي بديلاً للتسليح الأوروبي الذي يواجه معضلات سياسية وخلافات بين دول الاتحاد الأوروبي. كما يمكن النظر إليها باعتبارها انحناءة اضطرارية من قبل إدارة أوباما أمام الضغوط الداخلية والشركاء المتشددين في أوروبا، المهجوسين بمخاطر الذهاب إلى «جنيف 2» في ظرف الهزائم المتتالية التي تمنى بها المجموعات المسلحة على الأرض السورية.
وبالمقابل، جاءت ردة الفعل الروسية لتأخذ بعين الاعتبار هذه المعطيات، حيث قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشكوف، في تصريح له أمس إنّ المعلومات التي قدمتها واشنطن لموسكو بشأن استخدام الحكومة السورية للسلاح الكيميائي غير مقنعة، «ومن الصعب وصفها بالحقائق»، مضيفاً «ما تحدث عنه الأميركيون لا يبدو لنا مقنعاً». وزاد أوشاكوف أن ربط بين «المعلومات» الأميركية بخصوص «الكيميائي» السوري والأدلة التي قدمها وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول بشأن وجود أسلحة كيميائية في العراق، محذراً من احتمال تشديد الموقف الأميركي قريباً على وقع ضغوط من الكونغرس.
وقال مساعد الرئيس، في معرض تعليقه على التصريحات الأميركية حول نيتها لتوريد أسلحة إلى المعارضة السورية، أن لا حديث حالياً حول تنفيذ العقد المبرم بين روسيا وسوريا لتوريد منظومة صواريخ «إس 300».
ومن جهته، عَبَر نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، في مقابلة مع قناة «روسيا اليوم»، أمس، مباشرة إلى الغاية التي استدعت الاتهامات الأميركية، فقال إنّ قرار مد المعارضة السورية بالأسلحة يشكل عاملاً سلبياً يُفشل الجهود الرامية لإيجاد تسوية سياسية في سوريا.
ونقلت وكالة «ريا نوفستي» عن بوغدانوف قوله: «لم تجر لغاية الآن أية اتصالات رسمية مباشرة مع شركائنا الأميركيين، الذين نتوقع منهم، بطبيعة الحال، توضيحاً للوضع، ومعلومات عن خططهم للعمل على المسار السوري. نحن نعتقد أن اتفاقنا بشأن العمل المشترك الموحد نحو عقد مؤتمر دولي حول سوريا ساري المفعول».
التعليقات الروسية حول الاتهامات الأميركية لم تقتصر على الخارجية الروسية، فقد وصف رئيس لجنة مجلس الدوما للشؤون الخارجية، ألكسي بوشكوف، المعلومات حول استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا مفبركة. وقال في تغريدة له على موقع «تويتر»: «المعلومات حول استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية مفبركة، تماماً كالأكاذيب حول حيازة صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل. أوباما يسير في ذات الطريق التي سلكها جورج دبليو بوش من قبل».
كذلك بحث مجلس الأمن الروسي برئاسة الرئيس فلاديمير بوتين في اجتماعه، أمس، الأوضاع في سوريا في ضوء تصريحات واشنطن الأخيرة.
ومن اللافت هنا أن الاتهامات الأميركية المستجدة تأتي على أعتاب اللقاء المرتقب بين رئيسي روسيا والولايات المتحدة، على هامش قمة مجموعة العشرين في إيرلندا أواخر الشهر الجاري؛ بما يوحي أن الانعطافة الأميركية المفاجئة قد تكون في احد سياقاتها «نوبة» تشدّد بقصد التحضير لتلك القمة، التي يحيط بها من الجانب الأميركي انقسام بين ثلاث جهات رئيسية، هي وفق مخرجات زيارة الملك الأردني عبدالله الثاني الأخيرة لواشنطن:
_ وزارة الخارجية الخاضعة لجماعات ضغط داخلية وشركاء دوليين متشددين ومهووسين بالوضع السوري.
_ البنتاغون الذي لا يتصور إجراء عسكرياً بدون تورطه فيه مباشرة، في وقت لم تعد فيه الحروب الخارجية على أجندته المنظورة، ويرى في التفاهم مع الروس مفتاحاً لتحقيق المكاسب الممكنة.
_ «السي آي إيه» التي ترى في الحل السياسي والتورط العسكري وجهين لعملة واحدة، وتقترح تقوية جماعات «معتدلة» تحافظ على قدرة مستدامة على استنزاف النظام السوري.
وفي مضمون الاتهامات الأميركية يمكن تلمس عناصر من مقترحات «السي آي إيه»، معدلة بما يناسب الأطراف الثلاثة، ويضمن غطاء للرحلة الأميركية إلى «جنيف 2»؛ وفي الردّ الروسي خلف سطور التصريحات تشدد إزاء محاولات تحسين الظروف التفاوضية من خلال خطوات تتجاوز التفاهم الروسي الأميركي حول «العمل المشترك الموحد نحو عقد مؤتمر دولي حول سوريا».
ردود الفعل الروسية بقيت محصورة بالمستوى الثاني من منفذي السياسة الخارجية، فقد اعتاد الروس خلال العام المنصرم على السياسي الأميركي متناقضاً في تصريحاته وسلوكه خلال سعيه إلى التوفيق بين مستوى الضغوطات التي تمارس على البيت الأبيض وحدود الممكن والمتاح تمريره خلال التعامل مع الجانب الروسي؛ وهنا، تبرز الضحكات الروسية الأميركية التي تبادلها لافروف وكيري في موسكو الشهر الفائت مقابل تصريحات كيري بعيد مغادرته موسكو، مثالاً على هذا التناقض الاضطراري.
من الواضح أن موسكو لا تستعد لرد عملي يتعدى حقيقة مواصلتها الإمساك بإحكام بفكرة «جنيف 2»، والتأكيد عليها، وجعلها محوراً لكل حراك سياسي ممكن. وهي ترتاح لحقيقة أن الردّ الميداني هو سوري بالأساس، وهو موجع حتى هذه اللحظة. بل أن الاتهامات الأميركية هي جبهة مضادة يتم فتحها في الرد على انجازات محددة، تثير قلق كثير من العواصم التي تناصب النظام في دمشق العداء.