مرة جديدة اتّسم كلام البيت الأبيض بشأن سوريا بالغموض. فالبيان الرسمي الصادر أمس الذي تحدّث عن «توسيع نطاق مساعدتنا للمعارضة السورية، بما في ذلك الدعم المباشر «للمجلس العسكري الأعلى للجيش السوري الحر»، لم يذكر ما هو شكل تلك المساعدات أو نوع الدعم المذكور. نائب مستشار الأمن القومي، بنجامن رودس، الذي تلا البيان، نفى أيضاً أن يكون هناك أي قرار للجوء إلى فرض منطقة حظر جوي.


أربَك هذا الغموض المسؤولين والمحللين الأميركيين الذين لم يهللوا لقرار باراك أوباما، بانتظار توضيح ماهيته «في الأسابيع المقبلة» بعد مناقشته في الكونغرس. رغم ذلك، حيّا بعض النواب الديموقراطيين والجمهوريين «قرار التسليح»، على قاعدة «أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً». موقع «بوليتيكو» نقل، من جهته، عن مقرّبين من محادثات الرئيس الأميركي مع فريقه أنه «كان ينازع قبل اتخاذ القرار الأخير بسبب كرهه الشديد لتجربة التدخل العسكري في العراق».
لكن السيناتور جون ماكين وصف قرار أوباما بالتحرّك الآن لدعم المقاتلين السوريين بـ«المشين لأنه جاء متأخراً جداً». وأضاف: «الروس وحزب الله كلهم في سوريا، ونحن نتكلم على إرسال أسلحة خفيفة للثوار. هذا جنون!».
وفي أسباب القرار، اتفق المحللون على أن «استخدام النظام السوري الأسلحة الكيميائية» ليس السبب الوحيد الذي دفع أوباما إلى القيام بخطوته الأخيرة، بل إن «تقدم الجيش السوري ميدانياً والخوف من تحقيقه فوزاً نوعياً على الثوار»، هو سبب أساسي آخر. صحيفة «ذي واشنطن بوست» قالت إنّ «مطالبة أوباما بتسليح المعارضة السورية تزايدت أخيراً بعد أن خسر المتمردون منطقة القصير المحورية، وبعد التقارير التي أفادت عن حشد حزب الله وإيران مقاتليهما للتوجه شمالاً إلى حلب».
لكن غموض بيان البيت الأبيض، الذي قال البعض فيه إنه مقصود، قسم المحللين بين متفائلين بتدخل عسكري أميركي بغض النظر عن شكله، وبين من لم يرَ في البيان سوى استمرار لسياسة أوباما المترددة حيال سوريا.
بعض وسائل الإعلام ذهبت حتى إلى نشر خطط عسكرية اقترحتها «مصادر عسكرية أميركية» لم تكشف عن اسمها. صحيفة «ذي وول ستريت جورنال»، مثلاً، أشارت إلى أن الدعم العسكري الذي تعرضه الولايات المتحدة يتضمن «إقامة منطقة حظر جوي موقت فوق مخيمات تدريب المتمردين تمتد على مساحة 40 كلم داخل سوريا، وسيجري فرضها بواسطة طائرات حربية مجهزة بصواريخ جو ـ جو داخل المجال الجوي الأردني».
«سكاي نيوز عربية» نقلت، من جهتها، عن «مسؤول عسكري» تأكيده «دخول أسلحة ثقيلة وصواريخ مضادة للطائرات إلى سوريا».
أما صحيفة «ذي نيويورك تايمز»، فقد نقلت عن مسؤولين أميركيين قولهم إن «تسليح المتمردين سيشمل الأسلحة الخفيفة والذخيرة وأسلحة مضادة للمدرعات دون تلك المضادة للطائرات».
صحيفة «ذي واشنطن بوست» أشارت، نقلاً عن رسميين أميركيين، إلى أن «وكالة الاستخبارات الأميركية هي التي ستسلّم شحنات الأسلحة لمقاتلي المعارضة، وهذا ما سيجنّب الإدارة الأميركية مخالفة القانون، الذي يمنع أي حكومة تسليم أسلحة لجهات تقاتل حكومة أخرى من دون إذن من الأمم المتحدة». الصحيفة أضافت أنّ «الأسلحة ستسلّم جوّاً لتركيا والأردن، أو برّاً عبر الأنفاق التي يستخدمها المقاتلون».
«أوباما تجاوز خطّه الأحمر هذه المرة»، علّق بعض الصحافيين على القرار الأخير، شارحين أن «الوضع الميداني في سوريا لم يعد يحتمل الإبقاء على سياسة أوباما الكسولة المعتمدة تجاه سوريا».
لكن آخرين رأوا أن القرار المعلن لن يشكّل منعطفاً في السياسة الأميركية تجاه الأزمة السورية، بل على العكس هو يكمّلها. دانيال دريزنير، في «ذي فورين بوليسي»، رأى أنّ ما أعلنه البيت الأبيض، أول من أمس، «ليس سوى استكمال لسياسة استنزاف إيران وحزب الله في حرب أهلية طويلة في سوريا بهدف إضعافهما بأقلّ خسائر ممكنة». دريزنير نفى أن يكون القرار الأخير هو خطوة أولى لحرب جديدة تقودها الولايات المتحدة في المنطقة، لماذا؟ أجاب الصحافي: «لأن تسليح المقاتلين يختلف عن فرض منطقة حظر جوي أو عن أي تدخل عسكري بري».
إيان بليك، في «ذي غارديان»، رأى أنّ «قرار أوباما الغامض بشأن تسليح المعارضة السورية يشير إلى أن واشنطن، التي تشهد نزاعاً حاداً حوله، تحذو حذو بريطانيا وفرنسا في عدم اتخاذ قرار جدّي بشأن التسليح، بعد الدفع إلى رفع الحظر الأوروبي عنه».