الإسكندرية | «ما أشبه الليلة بالبارحة»، هكذا ينظر الشباب الثوري في مدينة الإسكندرية إلى المشهد السياسي، كلما تقدّم العدّ التنازلي باتجاه 30 حزيران، الذي يرفعون فيه شعار التغيير والثورة، حيث ينقضي عام على تولي الرئيس محمد مرسي الحكم في مصر. وهم في ذلك يستلهمون شواهد كثيرة، تتشابه مع مثيلات لها قبل عامين بالمحافظة التي أُطلق عليها حينها «مدينة التغيير».

كان للإسكندرية مواقف متمايزة عن أماكن كثيرة في مصر، حتى إن شبابها ابتدعوا شعاراً شوفينياً يعكس إحساساً عالياً بالاعتداد بالذات يقولون فيه: «إسكندرية بجدّ رجالة على أي حدّ». لكن رغم ذلك، فإن المخالفين لهم في الرؤية يدفعون بأنّ واقع الحال يختلف؛ فمرسي ليس حسني مبارك، والإسكندرية أيضاً معقل تاريخي لجماعة الإخوان المسلمين ومنشأ الدعوة السلفية في مصر، ما يجعل برأيهم أنّ «الرياح ستأتي بما لا تشتهي السفن».
ولعل ما يشير إلى هذا الأمر، هو المواجهة المبكرة التي اندلعت بمنطقة أبو سليمان الشعبية منذ يومين، بين أعضاء جماعة الإخوان وحملة «تمرد»، اتهم فيها الطرفان بعضهما لبعض بأنه كان الأسبق بالاستفزاز والتعدي، ليسقط ضحايا، في سيناريو وجده كثيرون مشابهاً لسيناريوات 30 حزيران المبنية على الاستفزاز والمواجهة.
تشابه الليل بالبارحة يراه الشباب في الإسكندرية، من خلال إعادة محاكمة خالد سعيد، التي تزامن أول أيام الشهر مع إعادة محكمة قاتليه. وكأنّ القدر أراد أن يكافئ الشباب بإرسال شيء يذكرهم بالأيقونة، التي التفوا حولها، وكانت أهم محركات اندلاع الثورة مع الشاب السلفي سيد بلال، بالإضافة إلى حلول ذكرى وفاته في السادس من الشهر الحالي.
ويعزّز هذا الأمر أيضاً، قضية الناشط السياسي حسن مصطفى، الذي تنطق محكمة جنح الإسكندرية حكمها النهائي في قضيته اليوم، وهي قضية أيضاً تتجاوز في تأثيرها المحافظة نظراً إلى ثقل وتأثير حسن بين النشطاء ودوره المحوري في انطلاق ثورة 25 كانون الثاني.
وجهٌ يُشابه الليل بالبارحة، كان مصدره مدينة الإسكندرية أيضاً؛ فالبيان التأسيسي الذي أصدرته ما عُرفت باللجنة التنسيقية لـ30 يونيو، وأسماء موقّعيه وأسماء المكتب التنفيذي المنبثق منه، كشف أن هذه اللجنة هي ذاتها لأشخاص قامت على أكتافهم الثورة؛ الأمر الذي كان دافعاً إيجابياً لتوقيع البيان التأسيسي خلال فترة وجيزة من قبل أفراد متعدّدي الهوية السياسية والأيديولوجية.
الباحثة في مكتبة الإسكندرية خلود سعيد، كانت أحد من شاركوا في فاعليات 2010، وهي لا تزال مستمرة في جهودها حتى الآن، غير فاقدة إيمانها بالثورة وحتمية التغيير. سعيد عبرت عن فرحتها بسبب سماعها خبر إعلان اللجنة التنسيقية وترتيبها مع القوى الأخرى في عدد من المحافظات تمهيداً ليوم 30 يونيو، مبينة لـ«الأخبار» أن الفترة الماضية شهدت جوانب سلبية عديدة، كتركيز كثير من القوى السياسية والحركات الشبابية على أمورها الداخلية وبرامجها وبعض القضايا الفرعية الأخرى والخوف من دخول فلول في صفوفها، وهو ما جرى تجاوزه بإعلان هذه اللجنة، التي كانت مشابهة للجنة 2010.
وقد شدّدت خلود على أنّها كمواطنة وناشطة مستقلة غير منضمة إلى أي حركات أو لجان، لا تقف عند سقوط مرسي كشخص، فهي لا تريد «تكرار خطأ السعادة بسقوط شخص»، وترغب في «إسقاط النظام كله وتحقيق أهداف الثورة».
يكشف هذا الأمر، آخر التنبيهات التي أصدرتها اللجنة، بالتأكيد أنها «غير مقتصرة على مجموعة أشخاص أو كيانات أو محافظة بعينها، فهي فكرة للتوحد حول رؤية وهدف معين وليس قاصرة على عدد أعضاء محدد؛ فكل الموافق على الرؤية والميثاق والأهداف هو جزء لا يتجزأ من اللجنة وأصبح عليه واجب نشر الفكرة والسعي إلى تحقيق أهدافها، تحت شعار نتحد لننتصر».
يعزز من موقفها امتلاكها لرؤية وخطة واضحة لتحركات 30 حزيران وما بعدها، يجعلها تتمايز عن حركة «تمرّد» وشباب جبهة الإنقاذ، بنحو عملي.
تشابه أحداث كثيرة، وخصوصاً في مدينة الإسكندرية الآن، بأحداث سبقت انطلاق ثورة «25 يناير»، ولا سيما مع انتشار حملة «تمرد»، التي يُشبّهها البعض بحملة جمع التوقيعات على مطالب التغيير، التي أُطلقت في عام 2010، دفع كثيرون إلى تبني وجهة نظر، مفادها أن تشابه الأيام والأحداث وبطش الداخلية واستمرار سياسات الاعتقال، والسخرية من الشباب، وحلول يوم 28 يونيو مع يوم جمعة، هو أمر إيجابي أو مبشر لهم.

المعارضون: ما هكذا تورد الإبل

لكن من يرفض محاولة إعادة إنتاج الثورة إما بدعوى أن الوطن مرهق، أو أن الظروف ليست كلها بهذا التشابه يرفع شعار «ما هكذا تورد الإبل»، في إشارة إلى عدم نجاح هذا الحشد حتى مع إعلان اللجنة التنسيقية لمدّ خيوطها وشبكاتها عبر المحافظات الأخرى، تمهيداً للفت الانتباه عن عشرات ومئات الائتلافات التي أوقعت الثورة في أتون الخلافات السياسية.
سواء غير الواثق من النجاح أو الرافض لهذه التحركات يرى أن مرسي ليس كمبارك؛ فالأخير استمر 30 عاماً كانوا كفيلين بتيقن الناس من فساد النظام، وأفقده تعاطف حتى الداعين إلى الصبر وقت الثورة كأعضاء حزب «الكنبة». ومن ثم يخشى أن تكون الاحتجاجات موجة كأي موجة سبقتها، وبالتالي يجب إعطاء مرسي فرصة أخرى. الأمر الآخر أن مرسي تقف وراءه جماعة كبيرة لها أنصار ومتجذرة في جميع أنحاء مصر، فضلاً عن مساندة تيارات إسلامية أخرى لها كحزب الوسط والجماعة الإسلامية، تجعلها تمتص الاحتجاجات القادمة.
وحول الإسكندرية تحديداً، يراهن أنصار مرسي على أن قوة الإخوان والدعوة السلفية خصوصاً في مناطق الأطراف والهوامش، تجعلهم قادرين على إحداث توازن مع المعارضين لهم، ليرفعوا شعار «لن تأتي الرياح بما تشتهي السفن». وسواء نجحت آمال وطموحات الداعين إلى تغيير النظام وإعادة إنتاج الثورة على قاعدة الاتحاد وتجاوز أخطاء الماضي واستثمار السخط الشعبي من سوء الخدمات، أو نجحت توقعات الرافضين للاحتجاجات أو المتشائمين بنتائجها، فإن من المؤكد أن شهر حزيران سيكون شهر الترقب، وأيامه ستكون بمثابة عدّ تنازلي نحو سيناريوات متعددة تتقاذفها قوى متعددة باتت تستعد للاصطفاف نحو معركة، مستقبل الـ 3 أعوام القادمة من مدة الرئاسة.