السويداء | يقصد بتعبير «المناطق الآمنة» تلك المناطق السورية التي لم تطلها الاشتباكات العنيفة الجارية منذ أكثر من عام، ولكن في الوقت نفسه الذي يوحي به تعبير «المناطق الآمنة» بحالة من الاستقرار النسبي، فإن عوامل عديدة ومتداخلة، منها ما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والأمنية وأحياناً «الطائفية»، تجعل من «أمان» هذه المناطق مسألة نسبية بالمطلق!


تقدم محافظة السويداء _ الواقعة في جنوب سوريا والمجاورة لمحافظتي درعا وريف دمشق المشتعلتين _ كأحد الأمثلة على «المناطق الآمنة»، وقد بلغ عدد سكان المحافظة عام 2010 حوالى 350 ألف نسمة، وتقدر التصريحات الرسمية عدد اللاجئين إلى السويداء بأرقام تتراوح بين 15 إلى20 ألفاً، فيما يعيب ناشطون في «الهلال الأحمر السوري» على هذه التقديرات أنها لا تشمل سوى اللاجئين الموجودين في مراكز الإيواء، ويقولون بالمقابل: «إن كثيراً من اللاجئين استأجروا بيوتاً في قرى المحافظة، ويعملون بمهن مختلفة، ووصلت أعداد هؤلاء إلى أكثر من 30 ألف لاجئ».
يستند «محللون» من جهات سياسية مختلفة إلى المعطى الطائفي ليصيغوا «رؤيتهم» لموقع المحافظة ودورها ضمن سيناريو طائفي عام، وإن كان من غير الممكن إنكار دور العامل «الأقلّي» في التأثير على المزاج العام في المحافظة، إلا أن نظرة أقرب تبيّن أن هذا العامل ليس الأكثر أهمية.
في حديث مع سائق أجرة في السويداء، يعود إلى الشهر السابع من عام 2011، أي بعد أربعة أشهر من انطلاق الأحداث في سوريا، أجاب السائق عن سؤال حول أوضاع السويداء ضمن ما يجري في البلد بالقول: «ليس لدينا أية مشاكل، الناس هنا جميعهم مؤيدون». وحين توجّه له أحد الجالسين بالقول: «لكنّني معارض!»، ردّ عليه مباشرة بسؤال: «أنت معارض للنظام أم للرئيس؟»!
ولعل لدى هذا السائق كما لدى غيره من أبناء المحافظة، ومنذ بداية الحدث السوري، تساؤلات وتعليقات عديدة على الشكل الذي تم وفقاً له الاصطفاف ضمن الشارع السوري العريض، فالمحافظة التي تجاوز معدل البطالة فيها 18% من قوة العمل عام 2010، في الوقت الذي كان فيه معدل البطالة في سوريا هو 8.4% وفقاً لإحصائيات رسمية، ليست في مناخ يدفعها إلى التمسك بالنظام السوري على الأقل لجهة سياساته الاقتصادية.
ولكن، يرى ناشطون أن ظهور شعارات «الإسلام السياسي» مبكراً لعب دوراً هاماً في ابتعاد أغلبية سكان السويداء عن إبداء أي تأييد للتحركات المعارضة التي جرت في البلاد، ويرون أن ما عزز هذا الابتعاد هو الغياب شبه الكامل للشعارات الاقتصادية لمصلحة التركيز على شعارات من نمط «إسقاط وإعدام الرئيس». ويرون أيضاً أن جانباً آخر على قدر عالٍ من الأهمية هو الذي حسم الموقف العام لأبناء المحافظة، وذلك الجانب هو الموقف الوطني العام.
تعيش السويداء على إرث نضالي مميز اجترحته خلال الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925، وقدمت خلاله 2064 شهيداً من أصل 3882 هم مجموع شهداء الثورة. وإذ يتشرب أبناء المحافظة هذا الإرث كجزء مميز وحاسم في شخصيتهم يظهر بارزاً في مختلف طقوسهم الاجتماعية، فإن إحدى المقولات التي يستند إليها مختصون في علم النفس العام ودارسون لعلم الشعوب، ربما تفسر بشكل جيد هذا التعلق الكبير بالماضي. ترى تلك المقولة أنّ: «الأمم الصغرى، وضمناً الأقليات المذهبية والدينية، ضمن التركيبات السياسية غير المدنية، تحوّل أمجادها وانتصاراتها التاريخية إلى وسيلة أساسية لمواجهة الأمم الكبرى من موقع الند»، ولهذا السبب تحديداً، يمكن أن تعزى حساسية أبناء السويداء المفرطة من الشبهات الوطنية الكثيرة على العديد من جهات وأقطاب المعارضة.
يمكن أن نضيف إلى الإشكاليات السابقة، إشكالية أساسية تتعلق بطبيعة «المعارضة» في السويداء، ونقصد بالمعارضة هنا تلك المتشددة والمؤيدة للمعارضات الخارجية وللتسلح والقادرة على تبرير أي فعل من أفعال «الثورة». حيث يستطيع المتابع عن قرب لهذا النوع من المعارضة في السويداء، أن يلتقط مجموعة من الملاحظات ذات المعنى العميق، فإضافة إلى عزلة هذه المعارضة وكونها ذات طبيعة «قطبية» أو «نخبوية»، فإن التركز الأساسي لها هو في المدن الأساسية دون الريف من جهة، وفي «العائلات الكبيرة» دون الصغيرة.
كما أنّ العديد من شباب المحافظة، ونتيجة للسمات التي ذكرناها لمعارضة السويداء، مضافاً إليها «ميزات» المعارضة السورية عموماً، ومضافاً إليها التضرر المباشر وغير المباشر مما يرونه درجة عالية من الفساد ضمن النظام السوري تجعله عاجزاً عن حل أي مشكلة، كل ذلك يضعهم في موقع يجعل من وصفهم كمؤيدين بعيداً عن الحقيقة، مقابل وصف يجده العديدون أكثر ملاءمةً وهو «معارضة المعارضة». وهو توصيف لم يعد غريباً بالنسبة الى كتلة كبيرة من السوريين درج على تسميتها في المراحل الأولى من الأحداث الأغلبية الصامتة، ولكن الفرق اليوم هو مدى اتساعها، فإن كانت تظهر بشكل أوضح في «المناطق الآمنة»، فذلك لأن الجو الهادئ نسبياً يسمح للآراء السياسية بالتعبير عن نفسها بوضوح أكبر، فيما تدفع ظروف المناطق المشتعلة الناس إلى أسئلة البقاء التي تشغل الحيز الأساسي من حياتهم.
كان لافتاً خلال جولة «استطلاع آراء» أجرتها «الأخبار» في السويداء، أن موقفاً حاداً ورافضاً عند معظم من استطلعنا آراءهم قد اكتمل تكوينه من السياسيين اللبنانيين وليد جنبلاط ووئام وهاب ومن معظم «المعلقين» اللبنانيين على الحدث السوري، وبشكل خاص أولئك الذين يظهرون في الموجات الحادة لعمليتي الحسم والإسقاط على حد سواء.
وتلخص موقف الناس الذين تحدثنا إليهم بأن «لبننة» الوضع السوري ممنوعة، وجزء هام من المعلقين اللبنانيين هم إحدى أدوات تلك «اللبننة»، سواء أدرك طرفا الصراع ذلك أو لم يدركاه.