جاءت زيارة الهيئة الكردية العليا إلى موسكو بدعوة رسمية من وزارة الخارجية الروسية لتشكل توطئة للاعتراف الدولي بالهيئة، بما هي الممثل الشرعي والوحيد لأكراد سوريا. فليس سراً أنّ روسيا، ورغم انتهاء عصر القطبية الثنائية، تبقى دولة عظمى لها نفوذها ومصالحها الاستراتيجية حول العالم، لا سيّما في منطقة الشرق الأوسط المتاخمة لها ومياهها الدافئة في المتوسط. ولا حاجة للإشارة هنا إلى دورها المحوري في الأزمة السورية، حتى أنها باتت اللاعب الأبرز والأكثر تأثيراً في المشهد، كما ثبت بعد أكثر من عامين من تفجّر الثورة على النظام البعثي، والتي للأسف تحولت إلى حرب طائفية طاحنة.

ولعلّ التوافق الأميركي ــ الروسي الأخير باتجاه عقد مؤتمر «جنيف 2» لحلّ الأزمة السورية خير شاهد على رجحان كفة الرؤى والمقاربات الروسية للوضع السوري في أجندة التعاطي الدولي معه، وتبني الولايات المتحدة لها إلى حدّ كبير، وإن كان واضحاً منذ البداية أنّ ثمة تناغماً مضمراً كي لا نقول توزيع أدوار بين القوتين العظميين من الأزمة إيّاها.
ولعل أهمية الزيارة الرسمية للهيئة الكردية العليا تنبع من تزامنها مع التحضيرات لعقد مؤتمر جنيف، الذي يهدف لاقرار حلّ توافقي سياسي ينهي الحرب المدمرة ويؤسس لنظام ديموقراطي تعددي تتمثل فيه مختلف المكونات السورية، وعليه فحضور الهيئة العليا ممثلاً عن المكون الكردي (أكثر من 15 في المئة من عدد سكان سوريا) يشكّل شرطاً لشمولية التمثيل وعدالته، خاصة وأنّ ثمة جهات عدة تحاول النيل من هذه الهيئة بما يحرم الأكراد في سوريا من وجود مرجعية سياسية لهم تشكّل سلطة لإدارة مناطقهم وتمثلهم في مختلف المحافل الدولية والاقليمية الخاصة بسوريا، فالخطوة الروسية تمثل ارهاصاً بأخذ القوى الفاعلة والمؤثرة في المشهد الدولي للرقم الكردي الصعب في المعادلة السورية بعين الاعتبار خاصة مع مطالبة الوفد الكردي لموسكو ولواشنطن بتمثيل كردي مستقل في المؤتمر في إطار «الهيئة العليا» يشكّل خطوة كبرى على طريق انتزاع الاعتراف الدولي بالهيئة كممثل للشعب الكردي في سوريا، وبوصفها قوة ثالثة وازنة عبر إدارتها وسيطرتها على مناطق غرب كردستان (كردستان سوريا). وأثبتت الوقائع صحة قراءاتها الاستراتيجية لتعقيدات الوضع السوري ومآلاته، إذ لطالما حذّر الطرف الكردي من عسكرة الثورة وتطييفها وأسلمتها.
ولا ريب في أنّ الترحيب الروسي المبدئي بهذا الطلب الكردي في تمثيل الأكراد بوفد مستقل في المؤتمر الدولي المزمع، الذي ليس خافياً أنّ موسكو هي عرابته ومهندسته جنباً إلى جنب واشنطن، ستترتب عليه تأثيرات إيجابية لجهة حلّ القضية الكردية واحقاق الحق الكردي في سوريا المستقبل، وبرعاية وضمانات دولية، خاصة وأنّ «الائتلاف» الوطني لقوى المعارضة العربية السورية باتت أسهمه في الحضيض وما عاد في وارد أحد، حتى أشد المتحمسين له، الركون مجدداً إلى كذبة أنّه هو المظلة الوحيدة للمعارضة السورية، فهيئة التنسيق المعارضة حاضرة بقوة في كواليس الاعداد للمؤتمر الدولي، وها هي الهيئة الكردية العليا، هي الأخرى، تفرض حضورها، ما سيسهم في أن يكون المؤتمر جامعاً لكافة القوى الأساسية المعارضة في سوريا بمختلف تلاوينها ومكوناتها، وفي مقدمها المكون الكردي الممثل بالهيئة العليا، ما ينعكس إيجاباً لجهة توصّل المؤتمر إلى قرارات ملزمة ومعبّرة عن مختلف القوى الفاعلة على الأرض.
إنّه مكسب لا بل فتح دبلوماسي كردي من الطراز الأول، وموسكو والحال هذه هي البوابة التي ستدشّن عبرها «الهيئة العليا» طريقها نحو مختلف عواصم القرار الدولي التي لا شك أنّها باتت تدرك جميعها أنّ اللاعب الكردي الفاعل لا بدّ من اشراكه في أيّ خارطة طريق تهدف إلى اخراج سوريا من دوامة النار عبر كون الأكراد أصحاب الخيار الثالث الديمقراطي التعددي، وهم قد نجحوا في إدارة مناطقهم وحمايتها إن من النظام أو من مجموعات المعارضة المسلحة التابعة لما يسمى الجيش الحر وتنظيم القاعدة، والحفاظ على التعايش بين مختلف مكوناتها وبوصفهم القوة المنظمة والمنضبطة الوحيدة سياسياً وعسكرياً وسط تخبط النظام والمعارضة العربية، لا سيّما في شقها المسلح في خيارات العنف والدم المنفلتة من كل عقال وتحويلهما للبلاد إلى ساحة حرب مذهبية سنية ــ شيعية تستقطب المقاتلين الأجانب من أفغانستان والشيشان إلى إيران والسعودية فلبنان والأردن وصولاً إلى المغرب.
* كاتب كردي