تصل يوم السبت المقبل، بحسب معلومات «الأخبار»، شخصية محلية من حلب إلى باريس للقاء وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس تلبية لطلب الأخير. ويمثل هذا اللقاء، بالشكل، خرقاً للبروتوكول الفرنسي، إذ لم يسبق لوزير خارجية أن وجّه دعوة رسمية لشخصيات أقل منه موقعاً. لكن مصادر فرنسية تقدّم تعليلاً استثنائياً لهذا اللقاء، انطلاقاً من أنه يسهم في «جهد الطوارئ» الذي تقوم به باريس، منذ أيام عدة، لإنقاذ مدينة حلب من ان يطالها مصير مدينة القصير.


وكانت «معركة حلب» المتوقعة، و«النتائج الاستراتيجية لمعركة القصير» محل نقاش فرنسي سعودي، وأيضاً موضع مشاورات حثيثة بين وزارتي خارجيتي باريس ولندن. وأول من أمس كان الموضوع عينه مكان نقاش معمق بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والبريطاني وليم هيغ.

«حلب» و«سوق الغرب»

يقول تقدير موقف دبلوماسي تسرّب لجهات عربية، إنّ ثمة ميلاً دولياً لإعادة ترتيب صورة الميدان السوري بعد معركة القصير، على أساس يتلاءم مع النظرة الدولية للأزمة السورية، ويصحّح ما طرأ عليها مؤخراً من اختلالات. وبحسب هذه الصورة تجري مقاربة بين مشهدي الحرب اللبنانية وتلك الجارية الآن في سوريا، حيث يبدو جراء هذه المقارنة أن حمص تلعب في الأزمة السورية الوظيفة عينها التي لعبتها منطقة الشوف في الأزمة اللبنانية. فنشوب الحرب فيهما قاد إلى «تطييف الصراع وتعميق الاقتتال المذهبي والديني فيه». أما حلب فهي تشبه تماس «سوق الغرب» الذي «دوّل» (من تدويل) الحرب اللبنانية، وجسّد معادلات اللعبة الدولية وخطوطها الحمر فوق ميدان أزمتها.
وبحسب «التقدير» عينه، فإن الكواليس الدولية شهدت طوال الأيام الأخيرة التي أعقبت سقوط القصير، اتصالات دولية وعربية حثيثة، لرسم خط تماس دولي على الأرض في حلب، «يمنع ويحرم» تغيير الواقع الميداني فيها على نحو ما حصل في القصير.
ويقود هذا المسعى أوروبياً كل من بريطانيا وفرنسا، وتسانده السعودية بقوة. وينقل عن هيغ مقربون منه، أن نجاحه مرهون بصدور كلمة السر من الرئيس الأميركي باراك أوباما، عن طريق اعلانه بأنّ إدارته، نظراً للمستجدات الميدانية في سوريا المتمثلة بدخول حزب الله الميدان، قررت تسليح المعارضة.

هل توافق واشنطن؟

التقارير الدبلوماسية الواردة من واشنطن تركز على الأجواء التالية السائدة داخل النقاش الذي يديره منذ نحو أسبوع أوباما مع مستشاريه، تحت عنوان مراجعة خياراته تجاه الأزمة السورية:
ــ أولاً: تسود نظرة غاضبة لتدخل حزب الله في الحرب السورية، انطلاقاً من أن هذا الأمر أدى إلى تعقيد عقد اجتماع «جنيف ٢»، كون المعارضة ومعها باريس ولندن والرياض، أصبحت تميل لتأجيل عقده ريثما يتم تصحيح الوضع الميداني الذي كسب فيه النظام السوري بعد اسقاط القصير نقاطاً استراتيجية هامة.
ــ ثانياً: الفكرة التي يحاول البريطانيون ومعهم الفرنسيون إقحامها داخل أجندة أوباما ومستشاريه، هي أنه إذا كان اسقاط القصير صعّب عقد مؤتمر «جنيف٢»، فإن استكمال اندفاع الجيش السوري نحو حلب ليطالها المصير نفسه، سينسف المؤتمر، ومجمل مسار الخيار السياسي لحل الأزمة السورية.
ــ ثالثاً: تذهب أجواء النقاش الأميركي الداخلي، باتجاهين: إما تسليح المعارضة كردّ على تدخل حزب الله وسقوط القصير، مع مراعاة أن تكون هذه الخطوة محسوبة ضمن منسوب لا يؤثر على استمرار العمل لعقد المؤتمر الدولي. والاتجاه الثاني، عبر إبراز «فيتو» دولي بوجه سيطرة النظام بالكامل على حلب، بمعنى آخر إبقاء الوضع الميداني فيها على توازنه الحالي.
وبحسب المصادر عينها، فان الرئيس أوباما مقتنع بأن عليه السير بخيار جديد أقله لأسباب على صلة بتعاظم النقد لسياسته السورية أوروبياً وداخل محافل جمهوريي وديموقراطيي أميركا على السواء. ولكنه يحاذر من أن يمس أي تغيير في سياسة ثوابته بخصوص منع تورط بلاده في الأزمة السورية. ونوعية الحذر المستجد الذي يبديه أوباما حالياً في نقاشاته حول تسليح المعارضة، لا تتمثل فقط بتحفظه التقليدي على وصول السلاح إلى أيدي «المجاهدين»، بل يضاف إليه سؤاله «... وماذا بعد تسليح المعارضة؟».
ــ رابعاً: ثمة داخل أجواء المراجعة النقاشية التي يديرها أوباما الآن حول الأزمة السورية، اتجاه يعبّر عنه ممثلون للخارجية في هذا النقاش. ومفاده أن موقف أوباما السائر باتجاه إعطاء «أولوية للمسار السياسي فقط» (جنيف ٢، أعطى فرصة للأوروبيين للتملص من تعهداتهم بتسليح المعارضة. ويرى هذا الاتجاه أنّه «من المشكوك فيه أن تستطيع المعارضة في ظل انقسامها وبعد سقوط القصير، تحمل موقف المجتمع الدولي المتردد في مساعدتها عسكرياً». وعليه ينصح هذا الاتجاه بتدارك الأمر لضمان عدم انفراطها وبقاء احتمال «جنيف ٢» والحل السياسي التفاوضي قائماً، وأيضاً من أجل إيصال رسالة للرئيس السوري بشار الأسد بأنّ عليه تقديم تنازلات لبدء العملية السياسية.

أميركا وحزب الله

وتتقاطع مجمل المعلومات الواردة من واشنطن، عند أن إدارة أوباما تخشى بالأساس من أن تؤدي خطوة تدخّل حزب الله في سوريا، إلى انتقال الصراع في سوريا إلى لبنان.
وبدرجة تالية تخشى من أنه سيؤدي إلى تصلب الأسد وتعقيد ترتيبات عقد «جنيف ٢»، نظراً لكون المعارضة ستبدي تردداً بالذهاب إلى مفاوضات من موقع ضعيف عسكرياً، كما أن الدول الأوروبية وأيضاً الخليجية ستزيد من تصلبها في قضية عدم إشراك إيران، ما دام حزب الله لم ينسحب من سوريا.
الأمر الآخر الذي تخشاه واشنطن هو أنّ تدخّل حزب الله وإيران بشكل غير مباشر في الحرب بسوريا «طرح على الإدارة الأميركية تحديات قاسية، كما أنه يهدد بأخذ الأزمة السورية إلى آفاق دولية خطرة». لكن بالمحصلة، فإنّ الخيارات المتاحة أمام أوباما، حسب ما يُنقل عن مصادر الخارجية الأميركية، هو قرار الاستمرار في «جنيف ٢» لأن الأزمة السورية باتت تشكل عبئاً على المصالح الدولية. وتحت هذا السقف سيبحث أوباما عن قرارات تساعد على صياغة أوراق ضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لحثّ الأسد بشكل جدي على المجيء إلى طاولة جنيف. وقد يكون من ضمن الخيارات، مكاشفة لافروف بضرورة إقناع إيران بسحب حزب الله من سوريا، وإقناع الأسد بتجميد خطة معركة حلب.