ينتقل الخبر «المسرب» من أروقة رام الله إلى لبنان. ينتقل سريعاً إلى حواري وأزقة المخيمات الفلسطينية في سوريا. الناس في مخيم اليرموك لم يأكلوا اللحمة ربما منذ أكثر من ثلاثة أشهر، والبعض لا يستطيع إلا تناول الماء والملح. الحياة بدأت تدب في شوارع المخيمات الجنوبية بالتحديد لأنها الأكثر موتاً، فهي تعيش تحت الحصار الظالم للنظام السوري منذ أشهر، بحجة أن المسلحين يسيطرون على هذه المخيمات وأن أية أطعمة أو مستلزمات طبية أو أدوية تدخل ستذهب إلى المسلحين.
لكن بعد تسرّب هذا الخبر، جارنا أبو محمد أنزل منقل الشواء من السقيفة، وبدأ ينفض عنه الغبار الذي تراكم من تلك الأبنية التي تساقطت وتهدمت بفعل القصف، والحاجّة أم حسين رمت بمكعبات «نكهة الماجي» إلى داخل البراد وهي تقول لأطفالها: «غداً سنأكل لحمة بدلاً منها».
الجميع في حالة هرج ومرج. الأطفال سعداء. عادت الحياة إلى وجوههم الصفراء، كأن هناك من بثّ في عروقهم دماءً جديدة. الشبان الذين كانوا يهاجمون منظمة التحرير على صمتها عمّا يحدث في المخيمات، وتحديداً في اليرموك، وعدم إغاثة الناس هناك، هم الآن في موقف محرج من أبناء التنظيمات التي تنطوي تحت جناح المنظمة.
يخاطب سامر، أحد شباب فتح في مخيم اليرموك، شاباً آخر من حماس، وشاباً غيره مستقل: «شفتو المنظمة؟ ما بتنسى ولادها. انتو بس بدكم تسبوا! كنّا نقول أنو هناك ظرف والموضوع يحتاج إلى تمهل. لكن، هاي جاء وفد من اللجنة التنفيذية للمنظمة، ورح يحلوا كل مشاكلكم! على الأقل إذا ما رفعوا الحصار عن المخيمات رح يعطوا الناس فلوس علشان تشتري أكل لأولادها».
مرّ هذا اليوم سريعاً. نام اللاجئون مع أحلامهم الوردية، بعد احلام غير وردية لأشهر طويلة من النوع الذي يراه المرء عندما ينام على معدةٍ خاوية وموت ينتظره الناس هنا في كل يوم. استيقظ أبناء المخيم على شائعة مفادها أنّ على الجميع التوجه إلى مكاتب بعض الفصائل التابعة لمنظمة التحرير لتسجيل أسمائهم للاستفادة من المساعدة المالية المقدمة. بدأ الناس بتسجيل أسمائهم في المخيم المحاصر. ولكن كانت الصدمة عندما تسلموا شيكات بدل المال النقدي، وفهموا مذهولين أن عليهم الخروج من المخيم إلى قلب العاصمة دمشق لقبض المبلغ هناك!
«إذاً علينا المرور عبر بوابة الموت أول المخيم؟»، هكذا صاح أحد الرجال بأصحابه الذين معه، ومن أجل ماذا؟ كم هو المبلغ ؟ 1500 ليرة سورية، أي ما يعادل 12 دولاراً لكل فرد! «يعني حق كم ربطة خبز أو حق كيلو وربع لحمة عجل».
لم يفاجأ الناس كثيراً بالمبلغ، فرغم كل الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها أكثر من 300 ألف فلسطيني في سوريا، ورغم الموت الذي يتعرضون له، ربما كانت حاجتهم الأساسية والأهم هي إلأى أن يشعروا بأن هناك من هو مسؤول عنهم لا أكثر!
أحد الآباء بكى على بوابة مخيم اليرموك، عند حاجز الموت والذل كما أصبح يسميه أهل المخيم، ثم قال: «أنا جرحت في أكثر من معركة في لبنان، ضدّ إسرائيل، وضدّ من كانوا يريدون شطب منظمة التحرير، الآلاف من أبناء مخيمات سوريا قاتلوا من أجل جعل المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد. نحن من صنع منظمة التحرير، نحن من دافع عن هذا الإطار واستشهد أولادنا من أجل أن يكون، نحن أم الولد».
إذاً، عليك أن تخرج من المخيم، مارّاً تحت زخات الرصاص قد يصيبك في أية خطوة تخطوها إلى خارجه، وعندما تصبح في المكان الآمن عليك أن تتوقف مدة ثلاث ساعات بين تفتيش وإهانة وسبّ وشتم من قبل عناصر الأمن الموجودين على الحاجز، وقد تتعرض للاعتقال فقط لأن هناك شخصاً كتب تقريراً عنك بأنك البارحة كنت واقفاً مع ابن عمك الذي يحمل السلاح، أو تحت حجة إيصال معلومات للجيش الحر، وبعد أن تتجاوز الحاجز، وتتسلم الشيك الذي بموجبه ستقبض مبلغ 12 دولاراً، عليك هنا أيضاً أن تمرّ على عدة حواجز أخرى للوصول إلى البنك، وبالتالي سيقضي ربّ الأسرة 6 ساعات ذهاباً فقط ليقبض المبلغ، وهو حقاً مبلغ لا يستهان به.
طبعاً، لا أخفي عليكم أن ربّ الأسرة، منذ لحظة خروجه من المخيم إلى لحظة تسلمه المبلغ، لا يفكّر إلا بكيفية العودة إلى المخيم، وهل سيصل حياً أم ميتاً خلال الساعات الست الأخرى لرحلة العودة إلى المخيم.
يقول أحد الشباب الصامدين في مخيم اليرموك: بما أني عائلة مكونة من شخص واحد حسب دفتر العائلة الأحمر، وبما أني مش قادر، ومش حابب أطلع من المخيم، وبما أنه هناك ميزة للمستفيد من هذه المساعدة، هي أن ربّ الأسرة يمكن أن يجيّر الشيك لأي شخص يريد، فأنا قررت، وبكامل قواي العقلية، أن أجيّر الشيك للسيد محمود عباس». ويتابع الشاب موجهاً حديثه «للسيد الرئيس»: «بس ليك بدك تيجي على المخيم لأنو لازم أعملّك وكالة بالمبلغ، وعلشان هيك لازم توقف عندما تريد الدخول إلى المخيم سبع ساعات وعند الخروج سبع ساعات، ولا أعرف إذا ممكن يتساهل معك الحاجز الموجود على أول المخيم لأنك رئيس دولة فلسطين، بس إذا تساهلوا معك ممكن كمان جارتي العجوز أم عمر التي تجاوزت السبعين من عمرها وهي أم لثلاثة شهداء، ممكن يا سيادة الرئيس تساويلك وكالة كمان كي تقبض لها المبلغ، ولكن هي عكسي، تحتاج المبلغ الذي ستسحبه، لذلك وللأسف عليك العودة إلى المخيم مرة أخرى، يا سيادة الرئيس»!




الأسوأ في ما حصل أنها ليست المرة الأولى، فهذه الطريقة في «مساعدة الناس» في مخيم اليرموك تمارسها الأونروا تحت حجة أنها لا تستطيع إدخال موظفيها إلى المخيم، فيضطر الأهالي هناك إلى الخروج نحو حي الأمين في قلب الشام أيضاً، وتعلم الفصائل الفلسطينية جيداً أنه في كل دخول وخروج لأهالي المخيم يتعرضون إما للإهانة أو للسرقة. وفي كثير من الحالات للموت على يدِ قناص من هذا الحاجز أو ذاك. وحتى في حالات كثيرة، يبدأ طرفا الصراع الاشتباك بكل أنواع الأسلحة كأنهم لا يريدون عودة الناس إلى المخيم. ببساطة، يمكن أن يقال إن الأونروا والمنظمة تدفعان اللاجئين إلى الموت عندما تجبرانهم على الخروج من المخيم لتسلّم المساعدة.