كشف تقرير ديبلوماسي تداولته قبل أيام محافل سياسية، معطيات أساسية دارت في كواليس سلسلة النقاشات الروسية - السورية، وأيضاً الروسية - الأميركية الهادفة إلى

تجاوز العقبات التي تواجه عقد مؤتمر «جنيف٢»، وأيضاً بناء أسس تفاهم تسمح بعقده.

يكشف التقرير، بداية، أن التباحث الأميركي - الروسي خلال المرحلة التي سبقت لقاء وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي جون كيري في باريس ليل الأحد الماضي، كان قد أدى إلى تحديد موعدين أوليَّين افتراضيين، لبدء مؤتمر «جنيف ٢» إما في ١٢ حتى ١٤ حزيران المقبل، أو في ١٥ حتى ١٧ منه». ويشير التقرير إلى «أنّ الفارق بين التاريخين ليس سياسياً بل تقني، لكنّ الأجندة المثقلة بظلال التفصيلات والأمور الجوهرية التي لا تزال محل تباين في وجهات النظر، والتي برزت خلال لقاء باريس، أدت إلى اعتبار هذين الموعدين غير «مقدسين»، وبدا واضحاً أنّ مهمة عقده تحتاج إلى عمل إضافي مضنٍ». ويكشف التقرير أنّه قبل لقاء كيري - لافروف في باريس كانت قد جرت لقاءات مهمة عبر الهاتف أو مباشرة بينهما. إضافة إلى مباحثات مفصلية للطرفين كلّ على حدة مع المعارضة والنظام السوري. وكان أبرزها زيارة نائب وزير الخارجية السورية فيصل المقداد أخيراً إلى موسكو. وحمل معه إليها «ملاحظات» الرئيس بشار الأسد التي يطالب بمراعاتها كي يشارك في المؤتمر. ويقول التقرير إنّ لافروف والمقداد تفاهما على أنه يجب عدم عرض هذه المطالب على أنها شروط مسبقة، حتى لا يطرح كيري بمقابلها شروطاً للمعارضة، وبناءً عليه اعتمد مصطلح في تعريفها، هو «ملاحظات جوهرية للأسد».

مطالب الأسد الثلاثة

ويورد التقرير أبرز هذه الملاحظات أو «مطالب الأسد»، ويحددها بأنها ثلاثة يربط الأسد مراعاتها بمشاركته بجنيف:
أولاً ــ عدم السماح بالتدخل في تأليف الوفد السوري. تجدر الملاحظة هنا إلى أنّ المعارضة طلبت من كيري أن يضغط على النظام السوري من خلال لافروف، كي يكون في عداد وفد النظام السوري إلى «جنيف ٢»، مسؤولون أمنيون.
ثانياً ــ أن يتشكل وفد المعارضة مناصفة بين المعارضة السورية في الداخل ومعارضة الداخل المقيمة قياداتها في سوريا.
ثالثاً ــ التحفظ على موضوع إدراج حكومة انتقالية أو هيئة انتقالية أو أي تسمية من هذا القبيل على جدول أعمال المؤتمر.
لكن موسكو، بحسب التقرير، ترى أنّ من الصعب إبقاء الوضع في سوريا كما هو عليه الآن حتى عام ٢٠١٤ (موعد الانتخابات الرئاسية). والمطلوب أن تملأ ورقة
«جنيف ٢» السياسية هذه المرحلة باتجاه تدشين طريق للحل، من خلال «هيئة ما مع الأسد». غير أن لافروف، بالمقابل، لا يخفي إظهار الورقة الميدانية الرابحة بيد النظام، التي سيكون لها حضور داخل قاعة المؤتمر. وقد عبّر عن ذلك بالقول: «إن تقدم القوات النظامية المتماسكة في القصير سيليه تقدم في ريف حلب ودرعا ودير الزور. هذا في مقابل أنّ المعارضة السورية التي وصفها لي كيري خلال لقائي به بأنها غير منسجمة وغير جدية، وتغرق في النزاعات المختلفة وبين مقاتليها وأطرافها».

اعتبارات موسكو الجوهرية

يؤكد التقرير أنّ موسكو أنشأت استراتيجية بشأن «جنيف ٢»، مفادها أنها «مع عقده ولكن ليس بأي ثمن»، وهي وضعت أربعة اعتبارات جوهرية تظهر ما توافق عليه روسيا وما ترفضه بخصوص سعيها إلى إنجاح المؤتمر:
١ــ عدم تحديد أي مهلة أو ترتيبات زمنية للمؤتمر.
٢ــ عدم إعداد بيان ختامي مسبق للمحادثات والتزام وثيقة «جنيف ١» التي صدرت كوثيقة وحيدة للنقاش.
٣ــ رفض إعداد المؤتمر على غرار اتفاق «Dayton» عام ١٩٩٠ بشأن يوغوسلافيا السابقة، مثلاً تكريس مشاريع وحلول وُضعت واتُّفق عليها قبل انعقاده.
٤ــ حصر مهمة الدول الراعية بتسهيل الحوار وعدم منحها أي صلاحيات تخولها التدخل في جوهر الحوار، كالضمانات التي ستطرح على بساط البحث أو وضع القوى. ويقول التقرير إنّ «ملاحظات الأسد» الثلاث، بالإضافة إلى اعتبارات موسكو الأربعة كانت جوهر المحادثات التي عقدت بين لافروف وكيري في باريس.
ولم يجر اتفاق نهائي عليها، ولكن كيري أبدى استجابة لبعضها، ووعد بردود تفصيلية عليها بعد مراجعة إدارته. ويكشف التقرير أنّ اختيار باريس لتكون مكاناً للقاء وزيري الخارجية الأميركية والروسية جاء بطلب من كيري؛ لأنّ الإدارة الفرنسية رفعت أخيراً وتيرة شكواها من أن الأوروبيين تعاظم شعورهم بأنهم مستبعدون عن المشاورات الجارية بشان عقد «جنيف ٢».
ويعرض التقرير أنّ شكوى التهميش لا تصدر فقط من باريس، بل أيضاً عن المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي الذي نقل عنه أخيراً أنه اشتكى داخل أروقة الجامعة العربية في القاهرة، من أنه «أصبح متقاعداً» وأن دوره كان في «حالة الاحتضار» قبل إطلاق فكرة «جنيف ٢»، ما دفعه إلى التلويح باستقالته، والآن دخل حالة «الانتظار المهمش». وينقل التقرير عن قريبين منه قولهم «إنّ الإبراهيمي حاول خلال هذا الشهر إحداث اختراق على مستوى مهمته، فأقدم على طلب ثلاثة مواعيد من دمشق، لكن الأخيرة لم تردّ عليه لغاية الآن. الإبراهيمي يلتزم الصمت لدى سؤاله عن هذا الأمر».

أوباما و«جنيف ٢»

ويخصص التقرير جزءاً خاصاً منه لعرض مستجدات التفاعل الذي تبديه إدارة أوباما و«مراكز التفكير» الأميركية المؤثرة على قراره، تجاه مؤتمر «جنيف ٢». ويبرز في هذا السياق النقاط الأساسية الآتية:
أولاً ــ لا يزال البيت الأبيض يدعم كيري في جهوده مع الروس لعقد مؤتمر «جنيف ٢»، لكن هذا التوجه لأوباما جوبه بصعوبات جمة مصدرها موسكو، وتمثلت «بالشكل باضطرار كيري إلى أن ينتظر خلال زيارته الأخيرة لموسكو ثلاث ساعات ليتسنى له مقابلة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين». واستدراكاً بالمضون، حيث بذل كيري جهداً مضنياً لإقناع بوتين دون طائل، خلال لقائه به، «بالتعاون في حلّ الأزمة السورية انطلاقاً من فكرة ضرورة التنازل عن بعض ثوابته التي منها بحث ثنائي يجري الآن، ولو بعيداً عن الأضواء حول مصير الأسد في مستقبل العملية السياسية حول سوريا».
ثانياً ــ يقول التقرير إن أوباما يواجه اتساعاً لنطاق نقد سياسته تجاه سوريا، داخل أميركا، وهي تركز على النقاط التالية:
ــ عدم سماحه لإدارته السابقة ولحدٍّ ما الحالية بدعم المعارضة السورية وتسليحها، ما كان سيسرع من دون شك بحسب قولهم برحيل الأسد.
ــ كان بإمكان أوباما استخدام مروحة من الخيارات دون إرسال قوات أميركية إلى سوريا، لكنه لم يفعل، ما يجعله يواجه قريباً وضعاً خطراً في سوريا، قد يضطره للقيام بعمل ما سيكون مكلفاً له ولإدارته.
ــ ما قامت به روسيا بعد اتفاقها مع الأميركيين على عقد مؤتمر «جنيف ٢» من تسليم أسلحة متطورة للأسد، والسماح لإيران وحزب الله بالقتال إلى جانب قواته، أدى إلى إفراغ «جنيف ٢» العتيد من فحواه وجعل انعقاده صعباً وصار نجاحه محل شكوك.
وهذا أمر موجه إلى قدرة كيري وصدقيته، لأنه هو الذي يدور المفاوضات مع لافروف.
ــ رغم حماسة الأوروبيين، ولا سيما فرنسا وبريطانيا، لتسليح المعارضة السورية، فإن موقف أوباما في مفاوضاته مع الروس والتزامه انعقاد مؤتر «جنيف ٢»، أعطت فرصة للفرنسيين والبريطانيين لكي يحاولوا التنصل من تعهدهم هذا.
ويقول التقرير إن أوباما يردّ على منتقديه من خلال إنشاء جملة مناورات من ناحية وإبراز مجموعة معطيات من ناحية ثانية، أهمها الإيحاء بأن تصويت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، أخيراً، على قرار يطلب من إدارة أوباما تسليح المعارضة السورية، تم تقصد توقيته بحيث يأتي إثر اتفاق كيري - لافروف على إطلاق مؤتمر دولي للتوصل إلى حل انتقالي سلمي للسلطة في سوريا. والهدف من ذلك السماح باستخدامه كوسيلة ضغط أميركية على النظام السوري لحمله على التعاون، تحت طائلة: وإلا فإن الإدارة الأميركية ستنتقل لخطوة تسليح المعارضة.
ويكشف التقرير أن أوباما خلال لقائه بالملك الأردني عبد الله الثاني أبلغه بأنه قيّد نفسه بسلسلة مهل تجاه حل القضايا الساخنة في المنطقة، «فبخصوص الأزمة السورية قرر أنّ يعطي نفسه مهلة حتى نهاية العام الجاري لتجريب الحل السياسي حيالها. وبالنسبة إلى عودة الحوار التفاوضي بين بنيامين نتنياهو ومحمود عباس، فقد أعطى الأول مهلة حتى منتصف شهر تموز للشروع به. وحتى ذلك التاريخ عليه أن يقرر إما وقف الاستيطان أو إعلان موافقته على حدود الـ٦٧، باستثناء القدس المُرجأ بحثها للمرحلة النهائية».
ويكشف التقرير أنّ السفير روبرت فورد، «يكثف اتصالاته بأطراف في المعارضة السورية لحثهم على حزم أمرهم لتأليف وفدهم إلى مؤتمر جنيف، علماً أنّ الشخص الأساس في المعارضة السورية الذي يركز الأميركيون على التواصل معه ويعولون على دور أساسي له في المستقبل، هو رئيس أركان الجيش السوري الحر العميد سليم إدريس».
يضيف: «حتى هذه اللحظة لا تزال المعارضة السورية في مربع بحث قضية موقفها من المؤتمر، وهي لم تقرر بعد مبدأ حضورها ولا تأليف وفدها. ورغم هذا الجو المتشائم الموجود في وزارة الخارجية الأميركية عن تفاعل المعارضة مع جنيف ٢، إلا أنّ فورد يتوقع أنه في نهاية المطاف سيتمكن كل من الجيش الحر والائتلاف الوطني من تشكيل وفد المعارضة الموحد (...). وبين أوراق فورد السرية يتردد اسم عبد الله الدردري، ليكون أول رئيس حكومة انتقالية. وبحسب التقرير، لا يوجد للأسد فيتو عليه. ولكن فورد يفكر في أن يسند إلى رئيس الحكومة ووزراء من المعارضة صلاحيات حقائب سيادية وأجزاء أساسية من الإمرة العسكرية والأمنية، الأمر الذي يرفضه الأسد».

مشاركة إيران

ثمة نقطة أخرى «هي محل اهتمام ومتابعة أروقة القرار الأميركي، وتتعلق بأنه حتى الآن لم يتقرر بعد على نحو حاسم من هم الفرقاء الدوليون الذين سيحضرون مؤتمر جنيف. ويُعَدّ موضوع حضور إيران نقطة حساسة بين أميركا وروسيا، وبين الأولى وعدد من الدول العربية والغربية (...). ويتردد على نطاق وأسع داخل بيئة فورد، توقع أن يربط النظام السوري في اللحظة التالية من الاشتباك الإقليمي حول مشاركة إيران، حضوره للمؤتمر بحضور طهران، وخاصة أن الأخيرة كانت أول المرحبين بالتوجه الأميركي - الروسي المشترك تجاه الأزمة السورية».

واشنطن متشائمة

وينقل التقرير عن دوائر الخارجية الأميركية المسؤولة عن ملف الشرق الأدنى، تشكيكها بإمكانية عقد المؤتمر قريباً، فضلاً عن إبداء تشاؤم حول نجاحه. يقول التقرير: «رغم جدية واشنطن في مسعاها لعقده، فإنها تحصي عدداً من العقبات تهدد بفشله، أبرزها - حسب فورد - العقبات السياسية الكبرى التي تواجه عملية تحديد الدول التي ستشارك به. ثانياً، صعوبة نجاحه، نظراً إلى تعدّد الأطراف المشاركة في الوضع السوري السياسي والعسكري واللوجستي الملتهب». وضمن هذا السياق، ينقل التقرير عن وزارة الخارجية الأميركية، ما تصفه بالمعطى الأهم الذي يحذو أوباما لعقد «جنيف ٢»، وهو أنّ «هذا المؤتمر يشكّل بالنسبة إلى كل من واشنطن وإلى فرقاء دوليين آخرين بضمنهم روسيا، طريقة لتخفيف عبء الأزمة السورية عن كاهلهم، إذ بدأت هذه الأزمة تؤثر مباشرة على مصالح العديد من هذه الدول».