سيناء | أكثر من أربع سنوات مرّت منذ الحرب الإسرائيلية الأولى على غزّة في ظل حكومة «حماس». سنوات عجاف قضاها فلسطينيو القطاع تحت حصار إسرائيلي يباركه نظام حسني مبارك المعادي للحركة وجماعتها الأم في مصر. تلك التي لم تلبث أن حصدت ثمار ثورة «يناير» الشعبية بمرشح رئاسي يحوز أعلى كرسي في البلاد. استبشرت «حماس» بنظام حليف يترأسه عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي. وتطلع سكان القطاع إلى مشاريع إعادة الإعمار المعلقة، فأتت الاعتمادات القطرية ملوّحة بالأمل في رصف شارع صلاح الدين وطريق الساحل، وتأسيس بنى تحتية، وبناء مستشفى متطور، وآلاف الوحدات السكنية لكل من الأسرى المحررين وفاقدي بيوتهم في حربي 2009 و2013. لكن الأمل القطري يأبى أن يعبر من القاهرة إلى غزّة من دون أن يزكم أنوف أهل سيناء بغبار أزمة طاحنة تعصف بظهرَ بعير مقصوم، هو أغنى ما يكون عن القشة القطرية الأخيرة. لم يخفِ السفير محمد العمادي، رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة، احتياج الأطراف العربية الثلاثة إلى الموافقة الإسرائيلية على دخول مواد البناء المصرية والمعدات الثقيلة إلى غزّة عبر معبر رفح. ذلك الذي كان دوماً أداة فاعلة في حصار غزّة بحجة أن اتفاقية المعابر الموقعة في 2005 تنص على أنّه معبر أفراد فقط وليس معبراً تجارياً. وفي مطلع العام الجاري تم توقيع بروتوكول التعاون بين اللجنة القطرية والحكومة المصرية ممثلة بشركة «المقاولون العرب»، على أن تكلّف الأخيرة بالقيام «بجميع الأعمال والإجراءات الفنية اللازمة للطرح والتعاقد والتوريد لكافة الخامات والمعدات والمستلزمات المطلوبة من خلال الأسواق وصناعات مواد البناء المصرية».

وكان وزير الإسكان المصري، طارق وفيق، قد أكّد أن الجانب المصري سيتولى إجراء الطرح والتعاقد لتوريد الخامات والمعدّات المطلوبة من السوق المصرية بعد سداد ثمنها من المنحة القطرية التي تم رفع اعتماد ميزانية تمويل استيراد مواد البناء ومستلزماته فيها إلى 500 مليون دولار بعد الحرب الأخيرة، فيما أكّد وليد جمال الدين، رئيس المجلس التصديري المصري، في وقت سابق من الشهر الحالي، أنه قد تم بالفعل ضخ 400 مليون دولار.
ولأن كلا الأسمنت وحديد البناء تحتكر إنتاجهما ونقلهما الشركات الكبرى، فإنّهما لا يمثلان أزمة مجتمعية مباشرة كتلك التي تسببها الرمال والزلط في سيناء؛ فحديد التسليح تنتجه شركة «الدخيلة للحديد والصلب» في الإسكندرية، والتي اشتهرت في السنوات الأخيرة بشركة «حديد عز»، نسبة إلى رجل الأعمال أحمد عز، المسجون حالياً في قضايا فساد. أما الأسمنت بنوعيه، الأبيض والأسمر، فيزخر به وسط سيناء بكميات كبيرة جعلت من الممكن اقتسام خيراته بين مصنع تابع للقوات المسلحة وشركة «أسمنت سيناء» المملوكة لرجل الأعمال حسن راتب، القريب أيضاً من أسرة مبارك، والطليق حالياً في حماية آلته الإعلامية الخاصة ممثلة في قناة «المحور» الفضائية. لكن تبقى الأزمة في رمال «الحصمة» التي يجري تكسيرها في محاجر تقع في الناحية الشرقية من وسط سيناء في أراض تابعة لقبيلة الترابين. تطرح الآن شركة «المقاولين العرب» عقوداً جزئية لتوريد الحصمة من وسط سيناء الى رفح تمهيداً لعبورها إلى القطاع. وفي ظل أوضاع أمنية متردية في شمال سيناء، لا يمكن أن يتم التوريد إلا بتأمين من القبائل أو أن تتولى القبائل بنفسها العملية. ولأن الميزانية المعلنة ضخمة، فإن الأصفار المتلألئة في عيون المطلعين على تفاصيل المشاريع وبنود البروتوكول قد دفعت قيادياً في الإخوان المسلمين في مدينة العريش إلى تأسيس شركة باسم «البراق» طامعاً في التعاقد على حصة كبيرة من الكعكة القطرية. ولأنه «العرايشي» لا يزور البادية إلا بصحبة دليل، فإنّ شركاءه من القيادات الإخوانية المحلية قد أخفوا أسماءهم، مقابل إبراز اسم شريك من قبيلة بدوية كبيرة تقطن منطقة المحاجر. في شوارع مدينة رفح، تجد استغاثة الأهالي مكتوبة على الجدران: «هرّب كل شيء إلا الزلط». وهي رسالة موجهة إلى أصحاب الأنفاق وتجارها الذين يصعب عليهم التفريط في مكاسب تهريب مواد البناء. أما قبيلتا السواركة والرميلات، فقد عرفتا أضرار الغبار المتصاعد من الزلط والحصمة، فأعلنتا أنهما لن يقبلا أن يصاب أفرادهما بالربو مجاناً من دون حصة من الكعكة القطرية. وبالفعل، أتت الأموال الغزاوية إلى شريك مصري بدوي يحتاج إليه المورّدون لوقوع أراضي الشون المتاخمة للحدود ضمن مضارب قبيلته، وأنشأ شركة ثانية باسم «أبناء سيناء» لينافس بها شركة الإخوان إلى أروقة السلطة. أما التفكير التقليدي المهيمن على شركة «المقاولون العرب» الحكومية، فلم يهدها إلى أبعد من عرض عقد تأمين مسلّح على شركة خدمات أمنية يملكها ابن القبيلة الثالثة التي تمرّ السيارات المحملة بالحصمة في أراضيها، بين المحاجر في أرض القبيلة الأولى في الوسط والمخازن في أرض القبيلة الثانية المتاخمة للحدود.
وبحسب ما أكّد الناشط سعيد عتيق لـ«الأخبار»، فإنّ اجتماعاً طويلاً جمعه بنائب محافظ شمال سيناء، الإخواني عادل قطامش، امتد حتى الساعات الأولى من الصباح للبحث في حل لأزمة قطع الطريق على السيارات المحملة بمواد البناء. وقد طرح عتيق عليه مشاركة السكان المحليين في هذه الاستثمارات ومساعدتهم على دمجهم في الاقتصاد الرسمي وإشعارهم بملكيتهم لموارد وطنهم وخيراته، إلا أن مكالمة هاتفية من القيادي الإخواني السالف الذكر قد ذهبت بجهود حل الأزمة أدراج الرياح، فلم يبق في الأفق إلا صراع مصالح يتسابق فيه رأس المال الإخواني ضدّ احتياجات البدو القاطنين للمنطقة الحدودية في سبيل حصد أكبر قدر من الأصفار الصحيحة.
من جهة ثانية، يشير أحد المصادر من أبناء المنطقة الحدودية، لـ«الأخبار»، إلى أنّ الجيش لا يمكن أن يكون غائباً عن المشهد، إذ يُعدّ الحاكم الفعلي في سيناء. وبعيداً عن المسارات الرسمية والقانونية، فإن ضباطاً نافذين، سواء كانوا في الخدمة أو متقاعدين، دائماً ما تكون لهم حصة كبيرة من أي مشروع استثماري في سيناء. بل يذهب إلى أبعد من ذلك، واصفاً الجيش بقبيلة من قبائل المنطقة التي يجب إرضاؤها وإشراكها كي لا تستخدم نفوذها في تعطيل المراكب السيّارة. ويؤكّد صحة كلامه الحصص الاستثنائية التي يحصل عليها جنرالات متقاعدون من الإنتاج اليومي لمصنع أسمنت سيناء، والتي تبلغ عشرة أضعاف الحصص المتاحة للتجار العاديين، تضاف إليها امتيازات في أولوية التحميل وعدم التفتيش أثناء العبور من سيناء إلى وادي النيل عبر كوبري السلام.
أما مصادر «الأخبار» القبلية فقد لفتت إلى أن مسار السيارات المحملة بالحصمة يمرّ في أراضي أناس يرزحون تحت ظروف معيشية صعبة في المنطقة الحدودية مع الأراضي المحتلة، حيث يفتقدون حتى فرصة العمل في التهريب عبر الأنفاق مع غزة، وهو ما سيجعل من المستحيل تأمين السيارات إلا بإرضاء أهل القبائل، خصوصاً في ظل تردّي الوضع الأمني. ويقول أحد المصادر إن الغالبية من أهل القبائل مسالمون في احتجاجاتهم، إلا أن الظلم والتهميش سيدفعان القلة إلى الاحتجاج بالسلاح وقطع الطرق على السيارات ما لم يتم إشراك السكان المحليين في هذه المشاريع.