شمال سيناء | «لم يعد الناس في مصر يسمعون عن سيناء إلا عبر صفحات الحوادث، والإعلام عندما ينقل شيئاً عن شبه الجزيرة يبحث عن الفرقعة. وبين هذا وذاك يغيب الإنسان»، بهذه الكلمات، لخّص الصحافي السيناوي مصطفى سنجر حال سيناء في ظل التهميش وانعدام التنمية، بحيث أصبحت أسيرة مجموعة من المتحدثين نيابة عنها، يصدرون ما تفرضه خطابات وسائل الإعلام المرتبطة بمصالح أمنية أو مالية، وهو ما دفع «مبادرة سيناء تتكلم»، الى رفع الصوت كي تكسر حاجز العزلة بين أبناء الوادي في مصر وأهالي سيناء، لتدعو إلى زيارات متعدّدة ترفع بها الوساطة بين أبناء القطر الواحد.

وهو ما عكسه تنبيه الشاب السيناوي أحمد الغول في قوله إن من يدّعي التحدث باسم أبناء سيناء كلهم شخص كاذب، فكل واحد من أبناء سيناء يرى الأمور من وجهة نظره، وحسب حجم المعاناة التي عاشها ويعيشها؛ فوجهة نظر ابن المدينة الحضارية العريش تختلف عن ابن وسط سيناء، وعن جنوبها، وعن ابن مدينة رفح والشيخ زويد. إلا أنّ هناك من أبناء سيناء من يحب الظهور الإعلامي، فضلاً عن كرههم لتيار بعينه، وهذا ما جعلهم يتحدثون بشيء من المبالغة، منافٍ للواقع، حسب ما يضيف. ولذا، هو يدعو الجميع لزيارة سيناء والتواصل معها مباشرة، إما عن طريق مبادرات كـ«سيناء تتكلم»، أو كمصري غيور على قطعة مهمشة من أرضه.
«الأخبار» رافقت مبادرة «سيناء تتكلم» في جولتها الأخيرة، عقب واقعة اختطاف الجنود المصريين وتحريرهم، في محاولة لفهم ما جرى ويجري من حوادث وكيفية وأسباب انتشار الجماعات الجهادية وخريطتها. خطف الجنود المصريين، وقبلهم حادثة مقتل جنود آخرين في آب الماضي، جعلا طرح التساؤلات المتعلقة بالجهاديين والتكفيريين على أبناء سيناء أمراً ملحاً. الدكتور عمار جودة، المتخصص في الحركات الإسلامية بسيناء، عدّد الأسباب المؤدية الى انتشار هذا الفكر، شارحاً خريطة الحركات الإسلامية، وعلاقة ذلك كله بقطاع غزّة.
ينبه جودة في حديثه إلى «الأخبار» الى أن سيناء في فترة السبعينيات والثمانينيات لم تعرف التكفير أو الحركات الجهادية، على الرغم من انتشار هذه الظاهرة في أماكن كثيرة في مصر، وخصوصاً الصعيد، الذي قد تتشابه بعض ظروفه مع سيناء، قائلاً إن سيناء ظلّت تحت الحكم العسكري منذ الاحتلال الإنكليزي، وحتى فترة حرب «أكتوبر». لكن بعد الحرب، تغيّر الأمر وبات الدخول إليها لا يحتاج إلى إذن من المخابرات. ولهذا، جاءت الى سيناء في عام 1981 جماعة «التبليغ والدعوة»، التي تجوب المحافظات من أجل نشر الدعوة الإسلامية، وهي معروفة بسلميتها وعدم تدخلها في أي شأن سياسي. وكان هناك وجود قليل للحركات الإسلامية التقليدية كالإخوان المسلمين، والذين كان لهم خصوصية نابعة من جغرافيا المكان وثقافته، تجعلهم يختلفون عن أقرانهم في مدن الوادي. وكان ضباط أمن الدولة الموجودون هناك يفهمون هذا الأمر. وكان هناك تفهم وتعاون بين الفاعلين، وظل هذا الأمر حتى أواخر الثمانينيات.
يتابع جودة أنّ الوضع ظلّ على هذه الحال، حتى بداية التسعينيات، حيث شهدت بداية انبثاق الأسباب الجذرية لظهور الفكر التكفيري. في ذلك الوقت، حضر اثنان من ضباط أمن الدولة إلى سيناء، هما محمد عقارب وهاني فؤاد. أتيا من صعيد مصر، حيث كانت تنتشر الجماعات المسلّحة، فعمدا الى استخدام الأساليب نفسها المتبعة هناك من بطش وتعذيب، في تلك البيئة المسلّحة مع الإسلاميين في سيناء. وقد اعتقل كثير منهم بصورة ظالمة ووضعوا في سجون القاهرة والوادي مع التكفيريين والجهاديين، فاختلطوا بهم وتشرّبوا منهم هذا الفكر. عادوا إلى سيناء حاملين هذا الفكر، وكان أبرزهم الدكتور خالد مساعد، أول من وضع بذرة تنظيم «التوحيد والجهاد» في أواخر التسعينيات بسيناء، وساعده على ذلك كونه من أصحاب الدرجات العلمية العالية. ويواصل جودة حديثه ويقول إن التعامل الأمني الظالم والقاسي، واختلاط كثير من أبناء سيناء بأبناء الحركات الجهادية طوال فترة التسعينيات في سجون القاهرة والصعيد، وضع الأسس الفكرية للحركات التكفيرية. الى أن كان التحول الآخر عام 2004، حيث شهدت سيناء تفجيرات طابا ودهب وشرم الشيخ، والتي اعتقل الأمن على أثرها قرابة 4500 سيناوي، من بينهم أطفال ونساء ورجال. وطالت المطاردات كل الناس، فهرب منفّذو العملية عام 2005 بعد انسحاب إسرائيل من غزّة، حيث شهدت الحدود حالة من السيولة والتسيب قبل ضبط الأوضاع مرّة أخرى. الأمر الذي أدى إلى استقرار هؤلاء الجهاديين في غزّة، لينضموا إلى الجماعات الجهادية هناك، والتي كانت تحارب «حماس» فكرهم، قبل أن تحسم أمرهم في عام 2009 من خلال حملة قمعية، فهربوا مرّة أخرى إلى سيناء، التي أصبحت نقطة وسيطة بين القادمين من السجون المصرية، مسلّحين بالفكر، والهاربين من غزة، مسلّحين بالتدريب والسلاح.
وهكذا يلخص جودة خريطة الإسلاميين في سيناء، والتي باتت تنقسم على النحو الآتي: أولاً، التكفيريون غير المسلحين. وهؤلاء لا يخالطون الناس ويعيشون في انعزال ولا يتزاوجون من غيرهم ولا يأكلون من طعام غيرهم. وثانياً، الفكر التكفيري الجهادي، والذي ينضوي تحته عدد من الجماعات الجهادية كالسلفية الجهادية وجماعة التوحيد والجهاد وغيرهما. وهذه تناصب جميعها إسرائيل العداء وتهدف إلى النيل منها، إلا أن بعضها يكفر الحاكم فقط، والبعض الآخر يكفر الحاكم والمجتمع، ويرغب في إقامة إمارة إسلامية. وهي في مجملها متأثرة ومعجبة بتنظيم «القاعدة»، لكنها غير مرتبطة به بشكل عضوي. ثالثاً، الحركات والتيارات الإسلامية التقليدية كسلفية مدرسة الإسكندرية، والتيار العام السلفي وبعض المتصوفة، والإخوان المسلمون. والأخيرة في سيناء لها وجود تنظيمي قوي، لكن ليس لها تأثير كبير على أبناء المحافظة.
لكن، هل كان ثمة محاولات للحل؟ يلفت جودة الى أنه حينما كان وزير سيناء في حكومة ظل شباب الثورة، أُطلقت مبادرة لنبذ العنف، سعى إليها بعض شباب الحركات الجهادية، بينهم وبين الأمن واستمرت 3 أشهر، لكنها فشلت بعد انسحاب اللواء أحمد جمال الدين منها، والذي شغل بعد ذلك وزير الداخلية بعد إقالته، رغم إعلان عدد من هؤلاء الشباب تخليه عن العنف مقابل قطعة أرض يزرعها أو مصدر رزق يقتات منه. ويخلص الى أن مواجهة الفكر التكفيري لا بد من أن يمرّ عبر 3 محاور: الأول، تنموي، لتوفير مصدر رزق لكثير من هؤلاء الشباب المغرر بهم، شريطة ألا يكون متورطاً في إهدار أي دم. والثاني فكري عبر إقامة مراجعات فقهية مع شيوخ يثقون بهم ولهم دراية بالأبعاد الفكرية لهؤلاء الشباب والجماعات. والثالث أمني، عبر تنظيم جلسات حوار لفتح صفحة جديدة بين الطرفين، لترميم الثقة المفقودة بينهما وإعادة كل طرف النظر في طريقة تعامله مع الطرف الآخر.
«حماس» ومجموعة دحلان
على الرغم من وجود هذه الحركات الجهادية والتكفيرية بشكل واضح، إلا أن طرح اسم حركة «حماس» ومجموعة محمد دحلان، القيادي السابق بحركة «فتح»، عند كل واقعة، عبر اتهام أي منهما بأنه ضليع في الأمر، كان لافتاً للنظر، حتى عند بعض أبناء سيناء. الصحافي السيناوي مصطفى سنجر يرى أن «إلقاء كل شيء على حماس فيه إهانة للأمن القومي».
لكن أحد كبار أعيان سيناء يتحدث إلى «الأخبار»، مشترطاً عدم ذكر اسمه، أنّه عند حصول الحسم في غزّة عام 2007، انتقل العديد من رجال دحلان الى العريش، ولم يذهبوا إلى الضفة الغربية، على أمل أن يعودوا مرّة أخرى قريباً. لكن عدم عودتهم وسيطرة «حماس» على القطاع جعلا مجموعات منهم تستقرّ في المنطقة، ومن بينهم من بات يقدّم دعماً لوجستياً لهذه الحركات، وبعضهم استطاع اختراقها، في إطار محاولة الوقيعة بين «حماس» والشعب المصري، أو إحراج الجيش المصري أمام إسرائيل وأمام الشعب.
بدورها، تقول الصحافية الغزاوية هدى البارود لـ«الأخبار» «إننا في قطاع غزة نعلم أن هناك رقابة وتتبعاً أمنياً مصرياً، لكل من يدخل عن طريق النفق إلى غزة منذ أيام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، فضلاً عن أن إسرائيل غير معنية باستقرار سيناء وخضوعها للسيادة المصرية بشكل كامل، لأنها جزء من الدولة التوراتية التي يسعون إلى إنشائها وفق عقيدتهم التي تقول إن الدولة اليهودية من النيل إلى الفرات. ولذا، فإن إسرائيل تدعم كل ما يساعد على بقاء سيناء في صراع دائم كي يسهل احتلالها لها مرة أخرى، ومن غير المعقول أن تدعم «حماس» أو أي فصيل مقاوم من غزّة الإرهابيين في سيناء كي يساعدوا إسرائيل في مهمتهم».




لماذا لا تغيب التنمية؟

لعل الشيء الأبرز خلال جولة «الأخبار» في شمال سيناء هو حجم الإجماع على أنّ ثمة قراراً صهيو ــ أميركياً غير معلن أو غير مكتوب، بعدم تنمية سيناء بشكل حقيقي وعميق، ولا سيما الحدود الشرقية منها، والتي تمتد الحدود فيها مع دولة الاحتلال حوالى 200 كيلومتر، ومع قطاع غزة قرابة 14 كيلومتراً. ذلك أن الكل يجمع على أنّ هذه التنمية تعني بناء خط دفاعي بشري ضدّ إسرائيل، وهو أكثر ما تخشاه هذه الأخيرة، ضاربين في ذلك مثال غزّة التي يقع على حدودها مصنع أدوية تقصفه إسرائيل عند كل اقتحام لها، ومع ذلك يتم بناؤه كنموذج مقاوم.
ويحذر أهالي سيناء من أن يكون محور تنمية قناة السويس سبباً في تفريغ شرق سيناء من شبابها وكوادرها، معتبراً أن تنمية سيناء لا بد من أن تبدأ من المنطقة (ج) غير المسموح بوجود قوات الجيش فيها إلا بترتيب مع إسرائيل.