القصير | بعد تمترس مسلحي المعارضة ضمن الحيّ الشمالي لمدينة القصير وتحصنهم بداخله، كان لا بد من فتح طريق باتجاهه شمالاً، إذ يستفيد المتحصنون في هذا الحي من امتداد سيطرة المعارضة المسلحة على قرية عرجون الملاصقة له والمفتوحة بدورها على قرية الحميدية «أحد حصون جبهة النصرة»، ما يتيح التنقل السريع لمقاتلي المعارضة. ردد العسكريون فجأة خبر انسحاب الجيش من على مشارف قرية الحميدية شمالي مدينة القصير، لمصلحة هجومه على مطار الضبعة. الخبر انتشر بسرعة خلال اليومين الماضيين، لكن أول أمس تغير كل شيء. بشكل مباغت، بدأت العملية العسكرية على الحميدية عبر محورين؛ أولهما من الجهة الجنوبية عبر قرية الغسانية مروراً بالحيدرية، والثاني من الجهة الشرقية.

سيطر الجيش على منطقة طيبة ذات الموقع الاستراتيجي المهم، حيث كانت تحتوي على غرفة عمليات متقدمة لمسلحي المعارضة على الطريق الواصل بين قريتي الغسانية والحميدية، ما أدّى إلى تحوّلها سريعاً إلى خط أمامي للمواجهات، بعدها تم سريعاً إحضار الآليات اللازمة لإنشاء سواتر ترابية بين الغسانية وطيبة، منعاً لأي إصابات في صفوف القوات البرية المتقدمة إلى الحميدية. القنص الكثيف بين الغسانية وطيبة، ولا سيما باستعمال «الدوشكا»، اشتدّ مع تقدم جنود الجيش السوري، وسرعان ما تبين أن مصدره الحميدية ومطار الضبعة. يمكن هُنا استعمال المنظار ورؤية بعض مسلحي المعارضة وحركة سيارات الدوشكا داخل المطار، بكل وضوح. رجالٌ يرتدون ملابس سوداء، مجهولو الهويات. بعضهم من المنطقة وآخرون غرباء. يصعب تحديد جنسياتهم، فاللحية توحّدهم، والأسود لباس الجميع. أحدٌ ما يقول: «جميع المقاتلين هنا ينتمون إلى جبهة النصرة». تنتابك رهبة. رجال يرتدون ملابس سوداء إذاً، غيّروا حياة البلاد، وأودوا بها في أتون حرب تأتي على الأخضر واليابس فيها. حربُ حرق الأخضر واليابس تجسّدها بحرفيتها معركة الحميدية اليوم. فالمؤازرة التي وصلت إلى قوات الجيش، جعلت القرار بالتقدم البري أمراً حتمياً، باتجاه تل سفينة نوح الاستراتيجي شمالي الحميدية. ولتل نوح البعيد عن طيبة مسافة 800 م مكانة مهمة تتيح لمن يسيطر عليه السيطرة على الحميدية بالقوة النارية بسبب ارتفاعه وانبساط المنطقة أمامه بانكشاف واضح. يشتد القنص مع وصول المؤازرة أكثر فأكثر. تقدم القوات البرية مسافة 100 متر جعل الطرف الآخر يطلق الدوشكا ومضادات الطائرات نحو عناصر الجيش المرابطين داخل أراضي القمح، لتشتعل النيران من حولنا وعبر جميع الجهات، وامتدت النار سريعاً لتفصل وحدات الجيش بعضها عن بعض. لا يمكن رؤية القسم الآخر من الجنود، فالدخان يعيق رؤية كل شيء، فيما العيون تدمع من شدّته. كل ما يمكن أن تدركه هو سماع صيحات مجنونة تدعوك للاحتماء من النار والتراجع إلى الخلف. وكما تتردد في ذهنك عبارة «الأسد أو نحرق البلد» في طريقك إلى المنطقة المشتعلة ناراً وباروداً، عندما ترى حرق العشب على جانبي الطريق، ستردد الآن أمام مشهد الموت حرقاً عبارة «لا نريد الأسد أو نحرق البلد». لعل مبدأ «ما حدا أحسن من حدا» هو المبدأ الذي يعيش عليه السوريون اليوم، فيما الأرض وحدها هي التي تصرخ مذبوحة. أمطارٌ من الرصاص الحارق في ظل الحَرّ الخانق ضمن أراضٍ «ذهبية» بتدرجات بديعة، فاشتعل القمح بمن يتمترس فيه، ولفح الهواء الساخن وبعض ألسنة اللهب وجه الموجودين في المكان. آخر ما كنتَ تطمح إليه هو الموت حرقاً. عليك إذاً أن تنبطح وسط ساحة قتال بين طرفين يطلقان أحدهما على الآخر، من فوق رأسك، كافة أنواع الأسلحة، في معركة وجود لكلّ منهما. أحدهم يصرخ بك: «أغلق الكاميرا»، فلا سبيل لإعاقة تحركاتك. أحد الجنود صرخ بجنون: «لقد أصبت... لقد أصبت». عبارة أيقظت البقية على حقيقة أنهم ما زالوا أحياء، ولا بدّ من سحب الجرحى والخروج من الجحيم المحيط. ثلاثة عناصر يعانون من الإصابة، هم حصيلة أولية لأول مئة متر من التقدم. قسم من عناصر الجيش اشتعلت النار وراءهم، حيث بقي طريق تل النبي نوح أمامهم مفتوحاً، فتقدم باتجاهه. في حين تعرقل تقدم القسم الآخر بمُصابيه، ما أدى إلى انتباه القوات المرابطة في طيبة إلى حصارنا تحت وابل من الرصاص شلّ حركة الجميع، فتحركت الدبابات والرشاشات لتغطية عملية سحب الجرحى بواسطة العربات المدرّعة والتراجع فوراً نحو طيبة، ولتخرج من أتون المعركة مكلّلاً بالسواد الناتج من احتراق أطراف ملابسك، وتلوثك بالكامل بالقمح المحترق. آخر ما سيبقى في ذاكرتهم من المعركة المجنونة رائحة القمح المشوي، تتخللها رائحة لحم «آدمي». من المستحيل إكمال اللحاق بالمقاتلين المتقدمين بسبب النار الممتدة التي استمرت لساعات طويلة، إلا أن قسماً ثالثاً من وحدات الجيش انسحب باتجاه الجنوب مسافة 200 م واحتمى خلف أشجار السرو، ليحرّك عربات ودبابات بدأت تضرب باتجاه مسلحي المعارضة، محاولين التغطية على رفاقهم الذين اختاروا اللجوء إلى تل سفينة نوح المسيطر عليه من قبل المعارضة، تمكنوا من اقتحامه والتمترس داخله. ورغم ذلك، لم يتوقف الرصاص من الضبعة والحميدية لحظة واحدة. فعاد قسم من العناصر يحملون المصابين إلى طيبة.
أما أخبار محور الهجوم من الجهة الشرقية، فقد بدأت تتوارد تباعاً، حيث تقدمت القوات السورية وسيطرت على الطرف الشمالي للمطار، بهدف ضمان تقدم القوات البرية التي بدأت بالوصول إلى وسط الحميدية. هدف الجيش من الهجوم على مطار الضبعة، بحسب أحد العسكريين، هو السيطرة على «الهنغار الشمالي» لتأمين طريق آمن لتقدم القوات البرية، وهو ما نجح بفعله. وبوصول الجيش إلى المطار استطاع عناصره أن يضمنوا فصل الحي الشمالي داخل القصير، آخر معاقل مسلحي المعارضة في المدينة، عن مطار الضبعة، وعن مقاتلي جبهة النصرة في الحميدية، ما يعني أن المعركة الحاسمة وسط مدينة القصير وشمالها أصبحت قاب أيام قليلة، وفيما يبدو لن تكون معركة عادية على جميع الأصعدة، وخاصة العسكري. ولا شكّ في أن مقتل أحد قياديي القاعدة الملقّب بـ«بن لادن الثاني» سيرخي بظلاله على نتائج المعارك الجارية شمال القصير، في ظل سيطرة الجيش السوري على ثلثي قرية الحميدية تقريباً، إضافة إلى تأمين محيط مطار الضبعة العسكري.