مخيم مار الياس | «ارجع عالمخيم.. خيا خلص ارجع»!. قالها بشكل مفاجئ مقاطعا سؤالي عن أحوال مخيمنا «اليرموك» المحاصر منذ شهور، بعد انقطاع كل وسائل الاتصال عنه لأكثر من شهر. التقيته مصادفة في المهرجان الذي أقيم في «مخيم مارالياس» لاحياء ذكرى النكبة الخامسة والستين؛ كان يرتدي الزي الفلسطيني التراثي كاملا: الحطة والعقال، السدرية والشال والشروال، ويحمل بين يديه «القربة» التي يعزف عليها ألحان وأغاني الثورة والعودة إلى فلسطين.


سبعة أو ثمانية أشهر هي المدة التي مرت منذ آخر مرة رأيته فيها بالمخيم، اي قبل «النكبة» الاخيرة التي حلت بنا، ولكنه يبدو اليوم هرما على الرغم من انه شاب في اواسط الثلاثينيات. بدا وجهه متعبا، وظهرت بضع شعرات بيضاء بدأت تستعمر لحيته الخفيفة. سألته مجددا: كيف الأحوال هناك؟ أجابني بهدوء وهو يشير بنظره إلى الحشود المتجمعة خلفي في المهرجان «أحسن من هون»! رددت مستغربا: «كيف أحسن من هون؟» فقال ببساطة قاطعة: « لأن الناس مش عايشة
هون».
يجول بنظره في المكان، لتستقر عيناه أخيراً عليّ ويتابع كمن يبرر ما قاله: «المخيم خيا غير.. غير»!. ربما لم يجد كلاما يشرح به شعوره بالانتماء إلى اليرموك الذي فارقه منذ ساعات قليلة فقط، في زيارة سريعة إلى هنا مع رفاقه، ليغني ويعزف للناس المحتشدين في الساحة احياء لذكرى النكبة، تاركاً خلفه مخيمه النازف بنكبته الجديدة. «المخيم غير»، بضع كلمات قالها رغم أنه في «زيارة» ولم يسكن مخيم شاتيلا اضطرارياً ليجد نفسه ضائعاً في زحام المكان الضيّق، الذي يضيف إلى همّ نكبته الخاصة وقلقه الدائم على الأهل والأخوة والأصدقاء والجيران وما حل بهم؛ هَمّاً جديداً وسخيفاً.. مثلا؟ ان الكهرباء دائمة الغياب والمياه مقطوعة، كالشمس التي لا تدخل «القن» الذي يسكنه، وشعوره الدائم باللاانتماء إلى هذا المكان، فالبيت ــ الغرفة؛ خال تماما من الذكريات، الباب الخشبي القديم لم يركّبه «بيديه» كي يوفر أجرته لأمر آخر، الجدران لم يرصف حجارتها مع أصدقائه والسقف الذي فوق رأسه لم يرفعه بطريقة «الفزعة» مع المعارف والأصدقاء كما هي العادة في المخيم. كل شيء في منزله «هناك» له ذكرى. حتى حنفية المياه وقاطع الكهرباء، لكن هذا البيت ــ الغرفة الذي يسكنه الآن ليس ذلك البيت الذي بناه واحتلت آثار أنامله كل زاوية فيه والذي طار فرحا بعيد انتهائه، إلى خطيبته يبشرها ويقول لوالدها بجرأة الواثق من نجاحه بالامتحان «البيت صار جاهز!». البيت هذا أصبح في ما بعد «عش الزوجية» الذي شهد ولادة ابنيه الأول والثاني وابنته الأخيرة قبل أن تغتاله وكل الذكريات معاً قذيفة!.
بعيداً، بضعة أمتار فقط عن مكان وقوفنا، كان الناس يتجمعون حاملين الأعلام الفلسطينية ولافتات كتب عليها «عائدون» استعدادا لبدء فعاليات ذكرى النكبة الأولى من فلسطين. حتى الآن لا يزال الكثيرون منهم يحفظون الحكايا الطويلة التي يداوم العجائز من جيل النكبة على ذكرها، عن الفرق بين «هنا المخيم» و«هناك الوطن»، ورواياتهم عن مغامرات الصبا أيام البلاد كما يقولون. هذا الكلام الذي لم يكن يرسخ في الذهن الا تخيلا، اصبح له اليوم بالتحديد، الآن هنا، معنى أكثر وضوحا بالنسبة لنا نحن القادمين من المخيمات المنكوبة في سوريا.
وأصبح لدينا نحن أيضا ما نرويه عن الفرق بين «هنا وهناك»؛ بين مخيم يشبه الوطن ومخيم يشبه السجن! المشاهد القديمة ذاتها التي سمعنا عنها من جيل النكبة الأولى رآها جيلنا منذ ستة أشهر فقط بأم العين خلال رحلة الخروج من اليرموك، وكأنها أحداث مكررة لتراجيديا يونانية سوداء، ينتشلني أكرم من هذا المشهد ويقول بحزم: «أنا راجع عاليرموك اليوم»!. طيب والقصف والاشتباكات والحصار؟ يجيب بقناعة تامة «اذا كان ع الموت.. فالموت هناك أشرف. واذا كان ع العيشة فبتدبر، والكل هناك عم يساعدوا بعضن؛ يعني ممكن تشيل من تمك وتطعمي جارك وجارك كمان هيك بيعمل
معك».
بالرغم من كل ما خسره: ولده الوحيد الذي سقط نتيجة القصف، والمنزل الذي بناه بكد يده، والكثير من الأهل والأصدقاء، هذه كانت حصته التي اكتفى بها من النكبة الأخيرة؛ لكنه يرفض مشاركة الآخرين الحصة بأكملها نازحا منه إلى أي مكان آخر. فهو اليوم «راجع».
وبينما كانت كلمات المسؤولين الفلسطينيين تؤكد على حق العودة من خلف المنصة التي تتصدر الساحة كان «أكرم» وزملاؤه ينتظرون دورهم ليشعلوا الحضور باغأنيهم عن العودة، يبدو أن تكرار ذكر عمر النكبة «65 عاماً»عند جميع المتحدثين أثار قلقه من ان يصبح لمخيمات الفلسطينيين في سوريا تاريخ نكبة يؤرخ لبعدهم عنه، وانتظار يضاف إلى الانتظار الطويل في «النكبة الأم» وتصبح العودة إلى المخيم تنوب عن العودة إلى فلسطين، فقال وعيونه معلقة على الحشود «أنا خايف المهجرين ينسوا فلسطين ويصيروا يطالبوا بالعودة ع المخيم»!. وقبل أن يمضي إلى المنصة ليقدم أغانيه نظر الي وكانه يؤكد قائلاً «أنا اليوم راجع، ويا ريت كل النازحين يرجعوا حتى ما تضيع البوصلة..» ثم صاح: «يا أهل اليرموك . .ارجعوا»»




تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة المعارك التي طالت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، ووصلت أخيراً إلى مخيمي الحسينية وخان الشيح في دمشق ومخيم حندارت في حلب، اما مخيم اليرموك فنزح منه أكثر من نصف سكانه الفلسطينيين البالغ عددهم حوالي 200 ألف بعد تعرضه منذ ستة أشهر لمعارك عنيفة بين طرفي الصراع في سوريا، ورغم الحصار والأوضاع الأمنية الصعبة لم ينس الصامدون هناك إحياء ذكرى يوم الأرض بمسيرة جابت شوارع المخيم في آذار الماضي، وكذلك احياء ذكرى النكبة بمسيرة كبرى مؤكدين أنهم لن يخرجوا من المخيم إلا إلى فلسطين.