وصلت الوقاحة الإسرائيلية الى حدّ زعم أنّ الفتى الذي قتلته قبل 13 عاماً، محمد الدرّة، على مرأى من الإعلام العالمي، لم يمت. لقد قررت إعادته الى الحياة كي تتنصل من جريمتها أمام المحاكم الدولية، لكن والده أكّد استعداده لفتح قبر ابنه أمام لجنة تحقيق دولية. وقال جمال الدرة، وهو والد لعشرة أبناء، إن قضية ابنه محمد لا تزال في المحاكم الدولية، ولم تنته على الرغم من كل محاولات الاحتلال الإسرائيلي لإغلاقها. وتساءل «إذا لم يمت محمد، فمن الذي أطلق الرصاص على جمال الدرة وأصابه»، مضيفاً «أنا رأيت وشاهدت، كما العالم، أن الموقع الإسرائيلي هو الذي كان يطلق النار عليّ وعلى ابني، وإسرائيل تخرج علينا كل عام وتقول إن محمد الدرة حي يرزق ولم يمت».

وتمنى أبو إياد، المقبل على الخمسين من عمره، أن تكون إسرائيل صادقة بقولها إن ابنه لا يزال حياً إلى الآن «لكنها كاذبة للأسف، لأنه استشهد برصاص جنودها في ذلك اليوم الذي رافقني فيه إلى سوق السيارات بالقطاع، والمئات شاركوا بجنازته، كما لديّ شهادة وفاته موقعة من الدكتور عبد الرازق حمد المصري، الذي لا يزال حتى الآن مديراً لمركز الطب الشرعي في غزة».
وزعمت حكومة الاحتلال في تقرير لها نشر مساء أول من أمس أنه لا أساس لتحقيق مصور أجرته قناة «فرانس 2» الفرنسية العامة عن استشهاد الفتى الفلسطيني محمد الدرة عام 2000، مؤكدة أنها تستند في ذلك الى مشاهد لم يتضمنها التحقيق. بل زعم موشيه يعلون أن الفيديو كان «ضمن حرب إعلامية على إسرائيل، وأن الدرة لا يزال حياً»، مشيراً الى أن لجنة تحقيق إسرائيلية توصلت الى أن الطفل الشهيد «لم يصب ولو بجرح واحد، ولا يزال يعيش حياته بشكل طبيعي»، وأن الفيديو «مفبرك ولا يثبت أن هناك قتلاً قد حدث، وإنما كان الطفل متأثراً بوالده بفعل قنابل الغاز».
لقد هزّت حادثة استشهاد الطفل محمد في حضن والده وهما يحتميان من الرصاص الإسرائيلي في 30 أيلول عام 2000، الضمير العالمي. في ذلك اليوم، كان الوالد قد ذهب برفقة ابنه ليشتري سيارة. ولما لم يعثر على واحدة مناسبة، عاد أدراجه إلى منزله في مخيم البريج.
وفي الطريق، وعند مفرق قرب مستوطنة «نتساريم» الإسرائيلية بجنوب المدينة، فاجأه تراشق بالرصاص بين جنود الاحتلال وقوات الأمن الوطني الفلسطيني، فخشي المتابعة وأوقف سيارة كان يقودها وأسرع إلى أول موضع رآه مناسباً ليحتمي فيه مع طفله الصغير.
لم يكن الموضع سوى برميل محشو بالاسمنت المسلّح على قارعة الطريق، واختبأ خلفه الدرة وابنه. طوال 27 دقيقة، لم يهدأ التراشق على الإطلاق. وفجأة، رماه الجنود الإسرائيليون برشقة رصاص متواصل، فأصابوا ابنه الصغير بساقه أولاً، وراح محمد يصرخ من الألم والخوف، ثم استقرت رصاصة في ذراع أبيه حين تأبطه ليحميه، ومن بعدها تطاير الرصاص نحوهما أكثر، فأُصيب الصغير بثانية في بطنه، مال معها جثة بجوار أبيه المستغيث بإشارات من يده الثانية.
ويقول تقرير لـ«العربية. نت.»، إن الدرة ظل يلوّح بيده طالباً أن تسعفه جهة ما، فيما بقي المصور الفلسطيني طلال أبو رحمة ثابتاً في تركيز كاميرته عليه ليصور عنه لقطات لصالح «فرانس 2» الفرنسية، من دون أن يجرؤ على عبور الطريق لنجدته من شدّة الرصاص، إلى أن تلقى الدرة من الإسرائيليين رصاصتين متتاليتين، استقرت إحداهما في بطنه والثانية في قدمه اليمنى، فانهار فاقداً وعيه، ولم يستعده إلا وهو طريح على سرير في مستشفى الشفاء بغزة، حيث خضع لعمليتين، قبل أن يستشهد. وبعد مرور عامين، رُزق والداه بطفل سمياه محمد.
(الأخبار)