تونس | تجددت المواجهات بين متظاهرين محسوبين على التيار السلفي أمس، في ضاحية حي الانطلاقة الشعبية، وقوات الأمن، في الوقت الذي ألقي فيه القبض على عدد كبير من السلفيين المنتمين الى تنظيم أنصار الشريعة، على أثر مواجهات الأحد الدامية في الضواحي الشعبية المتاخمة للعاصمة.

وبدا واضحاً، منذ أن منعت الداخلية تنظيم ملتقى أنصار الشريعة أول من أمس، أن العلاقة بين السلفيين والحكومة تسير نحو المواجهة. وقد أكدت أحداث جبال الشعانبي وقبلها اكتشاف مخازن سلاح أن المواجهة مسألة وقت، منذ أن شعر السلفيون أن بإمكانهم تحدي الدولة بعد أن سيطروا على عدد كبير من المساجد وأسّسوا مدارس قرآنية ورياض أطفال دينية، ما ذكر التونسيين بالسيناريو الباكستاني والأفغاني.
في هذا الوقت، تسرّبت معلومات أمنية غير مؤكدة عن أن «المجموعة التي ألقي القبض على أفرادها كانت تنوي استهداف مقار أمنية وعسكرية، وهي تضم عناصر أجنبية تسللت الى التراب التونسي واستقرت في القصرين وسيدي بوزيد.
وكانت هذه المجموعة تنتظر مؤتمر أنصار الشريعة في القيروان لإعلان الجهاد، لتدخل بذلك في مواجهة مسلحة مع قوات الأمن وتستهدف بذلك قلب نظام الحكم».
وكشفت تقارير غير رسمية عن وجود معسكر تدريبي في جبل الشعانبي تحت إشراف نبيل السعداوي (أحد المطاردين من الأمن بعد أحداث الروحية من محافظة سليانة في ربيع ٢٠١١).
وتضم الشبكة الإرهابية جزائريين كانوا يشرفون على تدريب عناصر تتبنى الفكر الجهادي على كيفية استعمال الكلاشنيكوف وصنع القنابل اليدوية التقليدية والمتفجرات».
هذا التوتر الذي امتد الى العديد من المدن التونسية ألقى بظلاله على الحكومة وحركة النهضة (أقوى أحزاب الائتلاف الحاكم)، إذ أعلن رئيس الحكومة علي العريض أنه لا مجال للتفاوض مع أنصار الشريعة ومع أي تنظيم يتطاول على الدولة.
من جهته، أعلن عضو المجلس الوطني التأسيسي عن حركة النهضة الحبيب اللوز، أن ملتقى أنصار الشريعة أُجّل الى الأسبوع المقبل، في الوقت الذي أعلن فيه نائب رئيس الحركة عبد الفتاح مورو أنه أصبح يخاف على حياته بسبب التشدد الديني وتغرير بعض المتشددين، الذين يجهلون تعاليم الإسلام، بالشبان الأبرياء. ولم ينف مورو مسؤولية الحركة والحكومة عمّا انتهت اليه البلاد من تنام للعنف.
وفي سياق متصل، أعلن الأمين العام للحركة حمادي الجبالي، رئيس الحكومة المستقيل، أن «ممارسات حركة النهضة إن استمرت بالطريقة نفسها فستُعجّل بخروجها من الحكم»، مجدداً رفضه لقانون العزل السياسي الذي تدافع عنه حركته.
ورأى أن أنصار الشريعة تنظيم خارج على القانون ولا بد من تطبيق القانون على الجميع، ولم ينف في حواره مع قناة «بي بي سي» البريطانية إمكان ترشحه الى الانتخابات الرئاسية خارج قائمة «النهضة»، وهو ما يؤكد أن الخلافات داخل الحركة قطعت شوطاً متقدماً، خاصة بعد أن سارع رئيس مجلس الشورى فتحي العيادي الى الرد على الجبالي، معتبراً أن موقفه لا يُلزِم أحداً غيره.
ويرى عدد كبير من المتابعين للشأن السياسي في تونس أن «النهضة» ستكون أول من يدفع ثمن «تمرد» السلفيين على الدولة. فبعد أن حاولت استعمالهم في «تأديب» القوى الديموقراطية، يبدو أن شهر العسل انتهى بين الحركة الاسلامية وحلفائها من السلفيين الذين بدأوا يشعرون أن «النهضة» ستضحّي بهم مقابل تقديم «الولاء» لقوى الضغط الدولية، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، حسبما يردد شيوخ السلفية وقادة حزب التحرير.
وفي مواجهة هذا العنف الذي انفجر في الشارع التونسي، دعت أحزاب ومنظمات وجمعيات وشخصيات وطنية الى بناء جبهة وطنية ضد الإرهاب، والى عزل سياسي لكل من لا يؤمن بالدولة والنظام الجمهوري.
وفي الوقت نفسه، دعت جمعيات سلفية وأحزاب تتبنّى المرجعية الإسلامية وبعض الدعاة مثل البشير بن حسن وعادل العلمي الى تحكيم العقل والهدوء. أما المجموعات السلفية، فقد رأت أن «النهضة» بصدد إعادة إنتاج آليات نظام زين العابدين بن علي نفسها في قمع «شباب الصحوة الإسلامية»، على حدّ تعبيرهم.
هذه المواجهة بين الحكومة والمجموعات السلفية ستكون طويلة وقاسية كما يتضح من المؤشرات. فالسلاح أصبح معطى أساسياً لا يمكن تجاهله، أما تراجع الأداء الأمني فهو حقيقة لا يمكن أحداً إنكارها. يُضاف الى ذلك الإرهاق الذي أصاب الجيش الوطني بسبب انتشاره منذ نحو عامين ونصف العام خارج الثكنات وانتشار السلاح في ليبيا المجاورة التي تربطها حدود شاسعة مع تونس من جهة الصحراء.
كل هذه العوامل تزرع الخوف والتردد في الشارع التونسي الذي يعاين كل يوم انهيار الاقتصاد وتراجع السياحة بنحو غير مسبوق، وانخفاض قيمة الدينار وغياب فرص الاستثمار بسبب الوضع الأمني الذي زادته تطورات أول من أمس «الأحد الأسود» سوءاً.
تونس التي كانت نموذجاً للثورات السلمية في العالم تغرق في عنف غير مسبوق، ويتعثر فيها الانتقال الديموقراطي، ما يطرح أسئلة موجعة بشأن مستقبلها.