بنغازي - لم تعد الأخبار الواردة من ليبيا تنذر بمستقبل أفضل من نموذج الديموقراطية العراقية. فالليبيون الذين كانوا يمنّون النفس بحياة لا تختلف عن حياة البشر الطبيعيين، بعد عقود مضت لم تكن أفضل من حاضرهم، جاءتهم الأوضاع الأمنية لتشكّل صدمة كبرى لدى الجميع.


عامان مضيا على سقوط نظام العقيد معمر القذافي، تلتهما أشهر تحسب من عمر العام الثالث كان من المفترض والمتوقع أن يبدأ الليبيون خلالها بتأسيس أرضية ديموقراطية صلبة يرتكز عليها الجميع، بدلاً من تلك الأرضية البوليسية المهترئة التي اخترقت وسقطت، معلنة بذلك عن دولة لا يعرف منها سوى حدودها التي بدأت هي الأخرى بالاختراق.
الأزمة الليبية، التي بدأت ملامحها تتّضح بمقتل رئيس أركان الجيش الليبي اللواء عبد الفتاح يونس في تموز 2011، قبل أن تضع الحرب أوزارها، لم يكن من المتوقع أن تصل إلى هذه المرحلة الأمنية التي باتت تنذر بخطر أكبر. تفجير بنغازي الأخير، الذي أسفر للمرة الأولى عن ضحايا من الأطفال والنساء، أزال الستار بعض الشيء عن ضبابية المرحلة ودشن الخطوة الأولى لطريق سيكون مليئاً بالعقبات والمحطات الدامية.
التفجير الذي وقع منتصف النهار في وسط المدينة وأمام أحد أهم مستشفياتها حدث مفاجئ لتوقعات العامة، وخصوصاً بعد إقرار العزل السياسي. إلا أنه على المستوى الآخر، كانت الجهات الأمنية والمراقبون يتوقعون حدوث ما هو أسوأ، ولم يفاجئهم ما حدث.
تفجير بنغازي لم يكن الأول هذا الأسبوع الذي يكسر سكون المدينة، فقد سبقه استهداف مباشر لمراكز شرطة المدينة التي لم يبق منها الكثير. هذه الفوضى الأمنية العارمة التي تحاصر بنغازي لم تترك العاصمة طرابلس وسكانها لشأنهم، فكما الأمن مهدد في الشرق هو مهدد أيضاً في الغرب.
ففي العاصمة طرابلس، التي فرض فيها المسلحون قانون العزل السياسي، تردت الأوضاع فجأة بعد حصار مسلحين لمقار الوزارات، مطالبين بتطهيرها على حد وصفهم. الأمر لم يقف عند هذا الحد، فتفجير السفارة الفرنسية الأسبوع الماضي تلته تحذيرات شديدة اللهجة من وزارة الخارجية الفرنسية على لسان وزير خارجيتها.
التردي الأمني في الأوضاع، تلاه العديد من التحذيرات الغربية بضرورة ضبط النفس وجلوس كل أطراف النزاع في ليبيا على طاولة واحدة للحوار.
مراقبون دوليون أكدوا لـ«الأخبار» أن استمرار الفوضى الأمنية سيقلل من فرص التنمية وهروب الشركات الأجنبية من ليبيا. وفي السياق نفسه، حذرت شركة «بريتش بيتروليوم» من ازدياد الخطر في ليبيا، وأكدت خفض عدد موظفيها هناك، الخطوة التي اعتبرت على الصعيد العام أمراً مبالغاً فيه.
إلى ذلك، وغداة انفجار سيارة في بنغازي شرق ليبيا، أعلنت وزارة الصحة أمس سقوط ثلاثة قتلى و14 جريحاً، بينما أفاد مسؤول حكومي محلي بأن الحادث نجم عن انفجار عرضي لمواد تُستخدم في الصيد وليس عن سيارة ملغومة كما كان معتقداً.
لكن نشطاء حقوقيين قالوا إن الحادث يكشف عن التدهور الأمني في دولة ليس لحكومتها سلطة تُذكر خارج العاصمة طرابلس، كما أنها مُقسّمة الى إقطاعيات للجماعات المسلحة التي لعبت دوراً أساسياً في انتفاضة 2011 التي أطاحت الدكتاتور معمر القذافي.
وقال عضو مجلس مدينة بنغازي (ثاني المدن الليبية في الشرق) طارق بوزريبة لوكالة رويترز، إن السيارة تخص صياداً قُتل في الانفجار الذي نجم عن مواد ناسفة كان يحملها في سيارته، في إشارة الى أن الصيادين الليبيين يستخدمون متفجرات في صيد الأسماك.
وذكر بيان لوزارة الصحة أن السيارة انفجرت أول من أمس، قرب مستشفى في وسط المدينة الساحلية الواقعة في شرق ليبيا، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، منهم طفل وإصابة 14 آخرين. وقال الناشط زيد الرجاس، إن السبب الأساسي للحادث هو ضعف الدولة، مضيفاً إنه ليس هناك سيطرة ولا جيش ولا أمن.