اللاذقية | لا تتوقف الصرخات التي يطلقها أهالي المخطوفين السوريين في كل بيت يعاني فقدان معيله أو أحد أبنائه، وسط تجاهل الدولة هذه الصرخات وضياع حقوق عائلات المخطوفين بين إجراءات الروتين وتحويل الأولويات باتجاه ملفات أخرى أكثر تأثيراً على المنحى السياسي.


هم ليسوا أبناء الشهداء، لذا لا اهتمام يُذكَر بقضيتهم. إنهم أبناء المخطوفين. معظمهم لا يعرفون شيئاً عن آبائهم، ولا يحصلون على التعاطف الشعبي الذي يُلزِم الدولة والأفراد بتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم، بانتظار الخبر الحزين المنتظَر عن مصير آباء قد ينتهي بهم الأمر مقتولين أو مقطّعين للبيع عضواً عضواً على أيدي سماسرة الأعضاء في مستشفيات الدول المجاورة. لقبهم في وسائل الإعلام الرسمية «رجال الله»، قداسة لم يروا منها شيئاً، إذ إنها تضيع في إجراءات الدولة الروتينية أمام قوانين مجحفة لم تفرض صرامتها إلا على ذويهم البائسين. يروي هاني، شاب من حلب، حكاية جاره الضابط المخطوف والذي استمر خطفه أكثر من 40 يوماً من دون أن تحرك الدولة ساكناً لاسترداده، في حين عرض مسلحو «الجيش الحر» على عائلته إخراجه بدفع فدية مالية تقدر بثلاثة ملايين ليرة سورية، بعدما عرضوه في تسجيل مصوّر عبر «اليوتيوب» يظهر فيه والكدمات تغطي وجهه، بينما يقرأ عدد من الأشخاص الملثمين بيان خطفه. واستمرت المفاوضات، بحسب هاني، حتى تحولت الفدية إلى 300 ألف ليرة. بعدها رفض المسلحون الإفراج عن الضابط المخطوف، وعرضوا له تسجيلاً مصوّراً يتلو فيه بيان انشقاقه، وقد خفّت آثار الكدمات على وجهه. إلا أن عائلته لم تقبض فلساً من راتبه منذ اختطافه، أي قبل أن يعلن انشقاقه بوقت طويل. ويجيب هاني عن سؤال حول مصير عائلة الضابط المخطوف، بالقول: «لقد عادت زوجته بأبنائها إلى اللاذقية، بحثاً عن معيل لأطفالها من أهل زوجها». الضابط الذي تم التعامل معه على أنه منشقّ، قبل أن ينشق بفترة، حاول الهرب من مسلّحي «الجيش الحر» والعودة إلى حضن الدولة في حلب، ليجد نفسه معتقلاً في أحد الفروع الأمنية، من دون أي قدرة لدى عائلته البائسة على التواصل معه.
يعيش العسكريون المخطوفون أزمتين، إحداهما ظروف الخطف والتعذيب والألم، وما يترتب عليها من مهمات تجبرهم عليها الجهة الخاطفة؛ كاستغلال الأطباء منهم في مداواة الجرحى أو القيام بأعمال تتطلب جهداً عضلياً مثل حفر الأنفاق لتحصين المناطق التي يسيطر عليها مسلحو المعارضة. أما أزمتهم الثانية فتتركز في حمل هموم عائلاتهم التي تُترَك لقدرها دون معيل أو رعاية. ويفهم معظم السوريون تخوّف الدولة من دفع التزامات مادية تجاه من قد تكتشف لاحقاً أنه يتعامل مع الجيش الحُر أو يقوم بخدمات جلية له. ومن اللافت هنا أن عودة المختطفين بفدية، أو من خلال محاولتهم الهرب من خاطفيهم، تجعل من إمكانية وضعهم داخل الشبهات أكبر، حيث يُطلَبون إلى التحقيق ويبقون قيده لأشهر طويلة، ولا بدّ من انتهاء الأمر بتسريحهم من الخدمة لحجج متعددة، أبرزها: الغياب غير المبرر.
تشكو ليلى، زوجة طبيب متعاقد مع الشرطة في الرقة، أن زوجها مخطوف منذ أشهر، رغم وصول أخبار بأنه لا يزال على قيد الحياة. وتفترض أن «الجيش الحر» في المنطقة الشرقية احتفظ به لإمكانية الاستفادة من خبرته الطبية في معالجة جرحاه، إلا أنها تتساءل: «ما ذنبه إن كان ذلك صحيحاً، طالما فعله بالإكراه؟ ألا تضع الدولة بعين الاعتبار التعذيب الذي يمارَس ضد المخطوفين؟». لا رواتب تصلها لترعى أسرتها مادياً، وكل ما استطاعت القيام به هو لقاء وزير المصالحة الوطنية علي حيدر خلال إحدى الندوات التي عقدها. لا نتائج إيجابية أثمرت عن اللقاء، فالزوج لا يزال محتجزاً، ووضع عائلته من سيئ إلى أسوأ. تسخر المرأة من الحديث عن إثبات الخطف على العسكري أو الموظف من أجل تبرير غيابه أو دفع رواتبه، وتسأل: «هل يمكن لمخطوف طلب ورقة خطية من الخاطف؟ هل تعترف الدولة من خلال الحصول على هذه الورقة، فيما لو تم الحصول عليها، بالمجلس العسكري لقيادة الثورة مثلاً؟».
أحوال العسكريين المختطفين ليست أسوأ من أحوال المعلمات اللواتي تعرضن للاختطاف مع بداية انتشار المعارضة المسلحة في المناطق الداخلية، حيث لم تلقَ قضيتهن آذاناً صاغية لدى الحكومة السورية، على اعتبار ضرورة تطبيق القانون وإثبات اختطافهن كمبرر لتغيّبهنّ عن الدوام المدرسي، على الرغم من تعرض بعضهن للاغتصاب. أما اليوم، فإن أوضاع عائلات العسكريين المخطوفين تطفو إلى السطح في مساءلة وتقويم حقيقيّين لنشاطات وإنجازات وزراء يدخل هذا الملف ضمن صلاحياتهم. ولعلّ وزارة المصالحة الوطنية كانت أبرز من يقع عليه اللوم في هذا المجال، في حين أن التواصل مع الوزير حيدر لسؤاله عن هذا الأمر كان أشبه بالمستحيل، فيما يعلّق أحد المراسلين السوريين في إحدى المناطق الساخنة، على الأمر بالقول: «نتمنى أن يأخذ ملف العسكريين المخطوفين مكانه ضمن الملفات التي تسبّب انشغال السيد الوزير». مراقبون آخرون علّقوا على الأمر بأنه أكبر من صلاحيات وزارة المصالحة الوطنية وبقية وزارات الدولة، فالقانون واضح والدولة لا تحتمل أي استغلال أو تجاوزات قد تتم تحت بند الاختطاف، ما يسبب استنزاف الدولة لصالح أعدائها.
على المقلب الآخر، تعيش عائلات كثيرة على جميع الأراضي السورية، ولا سيّما الساحل السوري، أوضاعاً قاسية من قلة الحال والحيلة، متسائلين عن السبب الذي يمنع الدولة من إحداث لجان متابعة لتولّي رعاية أبناء المخطوفين، أسوةً بما تقدّمه الدولة لأسر الشهداء. ويرى سامر، ابن ضابط مخطوف، أن الشكوك التي تحوم حول وضع المخطوفين قانونياً مبرّرة، في حال قيام الدولة بواجبها في تأسيس لجنة تقصي حقائق مهمّتها معرفة مصير هؤلاء والبحث في سبل استعادتهم أو تأمين تعويض يساعد عائلاتهم على متابعة الحياة، بدل تركهم لقدرهم المتمثّل بإذلال العائلة وجرّها وراء الإجراءات الروتينية، التي غالباً لا تعود عليها بفائدة مادية ملحوظة.
ويبقى حال العسكريين الذين تم اختطافهم ثم قتلهم هو الأفضل في ظل مسيرة حياة المخطوفين الأحياء، إذ يرى داني، ابن شهيد تم اختطافه وقتله، أن الوضع السيئ الذي تمر به عائلة المخطوف يجعلها تصاب بالارتياح قليلاً، فيما لو سمع أفرادها خبراً حتى إن كان سيئاً. يقول الفتى العشريني: «فخورٌ بوالدي، إلا أني حزين. وحزينٌ أكثر أننا أصبحنا نحيا في بلد لا يميّز حتى الحزن على شهدائه، إذ إن إخوتي الصغار يستحقون متابعة أمور التعويض المالي لعائلة الشهيد، بدل أن نبقى على الهامش بانتظار عودته».