صعّدت طهران من لهجتها في ظلّ التهديد الإسرائيلي ــ الغربي لسوريا في ما يخصّ مسألة «استخدام الأسلحة الكيميائية»، في وقت غرّدت فيه برلين خارج سرب حلفائها الطبيعيين، معتبرةً أنها لا تملك أيّ أدلة على استخدام «الكيميائي» ولم يطلعها أحد على معطياته. واشنطن لا تزال تلوّح بتحرك ضد دمشق «في حال» تأكد المعلومات بشأن الموضوع، في ظلّ تضارب في استنتاجات أجهزتها الاستخبارية.

وحذّر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد من أن انتصار المعارضة في سوريا سيجلب موجة من عدم الاستقرار تمثّل «تهديداً للمنطقة برمتها». حديث نجاد جاء خلال خلال استقباله المستشار الخاص للشؤون الخارجية للرئيس المصري محمد مرسي، عصام الحداد.
واجتمع كل من الحداد ورئيس ديوان رئيس الجمهورية المصرية محمد رفاعة الطهطاوي مع مسؤولين إيرانيين، وأفاد بيان أصدرته وزارة الخارجية الإيرانية أنّ الجانبين اتفقا على «ضرورة وضع خطة عمل للتحرك بشأن خطة الرئيس المصري بخصوص الأزمة السورية من خلال حلّ سياسي مقبول يمكن أن يساعد في إنهاء العنف».
واجتمع المسؤولان المصريان الزائران مع الرئيس الإيراني ومع مستشار الأمن القومي سعيد جليلي، ووزير الخارجية علي أكبر صالحي، وعلي أكبر ولايتي مستشار السياسة الخارجية للمرشد علي خامنئي.
وأعلن وزیر الخارجیة علي أکبر صالحي استعداد إیران لاستضافة الجولة المقبلة من اجتماع وزراء خارجیة إیران وترکیا ومصر والسعودیة لحلّ الأزمة السوریة.
في موازاة ذلك، كشف رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى، علاء الدين بروجردي، عن وجود مقاتلات حربية إسرائيلية في قواعد عسكرية أردنية وتركية استعداداً لتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، وبهدف الضغط على الحكومة السورية. بروجردي أكد أنّ طرح مسألة استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية ليس إلا أخباراً يراد منها الضغط على النظام، وحذّر من أنّ الكلام عن ضربة عسكرية توجّه لسوريا ليس من مصلحة أميركا، وخصوصاً أنّ هذا الأمر سينعكس مباشرة على إسرائيل.
في السياق، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب في جلسة مغلقة، إنه «في حال تأكدت المعلومات عن استعمال السلاح الكيميائي في سوريا فإننا قد نفرض منطقة حظر جوي أو سنبدأ بتسليح المعارضة». ولفت النائب براد شيرمان، الذي نقل تصريحات كيري، إلى أنّ الخيارات المتاحة التي نوقشت في الجلسة تراوح بين «دعم دبلوماسي للمعارضة، إلى مساعدة اللاجئين، إلى المساعدات المالية، إلى الأسلحة لبعض الفئات، وانتهاءً بفرض منطقة حظر طيران. كل هذه القضايا مطروحة على الطاولة».
من جهته، قال السيناتور جون ماكاين، أمس، إنّه ينبغي أن تعدّ مجموعة من الدول قوات لغزو سوريا لتأمين أيّ أسلحة كيميائية قد تكون هناك. وأضاف أنّ القوات الأميركية يجب ألا تدخل سوريا، لكن ينبغي أن تكون قوة دولية «مستعدة من الناحية العملية» للذهاب إلى هناك ومنع الاسلاميين المتشددين من وضع أيديهم على الأسلحة الكيميائية. وتابع قائلاً: «ثمة عدد من المستودعات لهذه الأسلحة. لا يمكن أن تسقط في أيدي الجهاديين».
وأسفر موقف البيت الأبيض، الذي يصرّ على ضرورة وجود أدلة قاطعة للمزاعم الإسرائيلية الغربية باستخدام القوات الحكومية السورية غاز السارين ضد معارضيها، عن انقسام داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية حول من الذي استخدم السلاح الكيميائي.
وقالت صحيفة «لوس أنجلس تايمز» إنه بينما تدرس الحكومة الأميركية كيفية الرد على استخدام الأسلحة الكيمياية في ضوء التقويم الاستخباري الأوّلي الذي يستند إلى معلومات استخبارية أجنبية حليفة، فقد تباينت ردود فعل أجهزة الاستخبارات التي تعمل بإشراف مجلس الاستخبارات القومي، نظراً إلى احتمالات أن يكون هذا الأمر نتج من تصرف غير مقصود أو على أيدي صفوف المعارضة أو غيرها من الأطراف التي تعمل خارج سيطرة الحكومة السورية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول عسكري أميركي، لم تفصح عن هويته، قوله إن «إطلاق الغازات السامة ربما نتج من قيام الجنود الموالين للنظام بنقل كميات من مخزونات الأسلحة الكيميائية إلى مناطق أخرى، أو قد يرجع الأمر إلى إمداد العلماء الخائنين للنظام المعارضين ببعض هذه الأسلحة». وأوضح أنّه «لا يوجد دليل دامغ على استخدام السلاح الكيميائي ضد المعارضة» السورية، فيما قال خبراء ودبلوماسيون أجانب إنّ «الحكومة الأميركية وحلفاءها ربما لن يصلوا إلى استنتاج واضح حول هذه القضية».
وقال غاري سامور الذي كان من أكبر المسؤولين في البيت الأبيض حتى شهر شباط الماضي، حول أسلحة الدمار الشامل، إن «الإجابة عن الأسئلة التي تدور حول ظروف وأدلة إطلاق هذه الأسلحة تحتاج إلى معلومات استخبارية دقيقة قد لا توجد في الوقت الراهن، لذلك ستحوم دوماً سحب من الشكوك حول هذه القضية».
إلى ذلك، أعلن وزير الخارجية الألماني، غيدو فيسترفيلي، أنّ بلاده لا تملك حتى الآن «أدلة أو معلومات خاصة بها» عن استخدام السلاح الكيميائي في سوريا. وقال، عقب لقائه نظيره الغاني في أكرا أول من أمس، «نطلب من أولئك الذين يتحدثون عن امتلاكهم معطيات حول هذه المسألة إطلاع شركائهم عليها». وأكد أن استخدام السلاح الكيميائي يعتبر بالنسبة إلى الحكومة الألمانية «خطاً أحمر».
في المقابل، أكد مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، أنّ فرض منطقة حظر جوي لا يمكن أن يتمّ إلا عبر قرار لمجلس الأمن. وقال في مقابلة تلفزيونية، إنّ إثارة ملف استخدم السلاح الكيميائي هو أحد الضغوط التي تمارس من أجل استحصال تنازلات سياسية. وأضاف أن «الغرب يستطيع التآمر بغض النظر عن الحصول على تغطية من مجلس الأمن وسبق أن قام بذلك، ولكن لايمكنه من باب الشرعية الدولية استحصال أو استصدار قرار من مجلس الأمن يسمح له بفرض منطقة حظر جوي فوق سوريا أو أي جزء منها». وأكد أن فرض منطقة حظر جوي لا يمكن أن يتم إلا عبر قرار لمجلس الأمن وهذا من رابع المستحيلات.
في غضون ذلك، أكد الموفد الرئاسي الروسي ميخائيل بوغدانوف، لدى مغادرته بيروت أمس، أنّ اتفاق جنيف هو السبيل الوحيد لإنهاء النزاع في سوريا. ورأى أنّ «قيمة هذه الوثيقة التي نبني عليها تحركنا تكمن في أنها تؤسس لحوار وطني بين السوريين، لكي يقرروا مصير بلادهم ومستقبلها بأنفسهم».
وأشار بوغدانوف إلى أنّه التقى، يوم السبت، وفد «هيئة التنسيق» السورية المعارضة برئاسة حسن عبدالعظيم. وصرّح بأنّه «نعتبر أن هيئة التنسيق منظمة رائدة في صفوف المعارضة، وقد طرحت برنامجاً بنّاءً يتطابق في الكثير (منه) مع رؤيتنا للخروج من الأزمة ويتماشى مع إعلان جنيف».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)