تحت سقف بيت متواضع، بُني على عجل وسط مخيم اليرموك، كانت أمي الفلسطينية الحاجة عزيزة العلي، توزع لكل منا قطعة واحدة من مثلثات جبنة «البقرة الضاحكة» لنمسحها فوق رغيف كامل من الخبز، بوصفها «فطوراً مرتباً» وكانت جبنة «لا فاش كيري» آنذاك، تعدّ ترفاً لا نقدر عليه نحن عائلة عبد الكريم منصور. فيما كان غداء يوم الجمعة، حين يتألف من فروجين مشويين للعائلة المكونة من اثني عشر فرداً، يعني أن علينا أن نقضي يوم السبت «من حواضر البيت»: زيتون ومكدوس وبأفضل أحوالنا بيض مقلي.


وذلك كله كان نعمة، علينا أن نعرف قيمتها، تقول أمي. «فقد سبق أن احتفينا برغيف الخبز اليابس في مخيم تل الزعتر، فكيف لا تحتفون به طرياً الآن»؟ كانت تقول.
لم نكن نملك من بيتنا في مخيم اليرموك، في ذلك الوقت، سوى أحجاره، فالأرض تعود ملكيتها لصالح مؤسسة اللاجئين. وقد أخذ والدي، الهارب من جحيم مخيم تل الزعتر، نصيبه منها، وبنى بيته فوقها غرفة بعد غرفة. فأبي القادم من لبنان لم يكن يملك، آنذاك، سوى ساعديه وسواعد ثلاثة من أبنائه الكبار، اختاروا ترك المدرسة للعمل، فالدراسة للكبار كانت أيضاً ترفاً وقتها، ومن يحتاج إليه البيت كان يحرم من المدرسة.
أما نحن الصغار، فكان عامنا مقسوماً إلى فصلين اثنين: فصل للدراسة وفصل للعمل. ومثله كانت أيام العيد: يوم للعمل على أرجوحة الحبال، ويوم للهو طفولتنا. وتلك كانت فضيلة الحياة، كما عرف أهلي قيمتها، في مواجهة الموت في مخيم تل الزعتر، وعرفنا نحن قيمتها في صراعنا مع الحياة في مخيم اليرموك.
لم نكن في عائلتنا، كما كثير من العائلات الفلسطينية، نعرف شيئاً عن الخلاص الفردي، فمصير الفرد معلق بمصير الجماعة. ربما لهذا السبب كانت العائلة الفلسطينية مثل حبة الرمان، تكبر حباتها فيها، تنضج وتحلو معاً دون أن تغادر أيّ منها قشرتها. قشرة الرمان تلك كانت بيت العائلة، وبيت العائلة حبة رمان أيضاً تحت قشرة أكثر اتساعاً هي المخيم. هكذا كان بيت العائلة في المخيم، وكان المخيم جزءاً من السيرة الذاتية للفلسطيني، وواحداً من ملامحه المميزة التي لا فكاك منها حتى بالموت. فلا يدفن الفلسطيني، في أي بقعة من بقاع الأرض كان، إلا في مقبرة المخيم. وكأنه يخاف ألا يبعث يوم القيامة في مكان من اثنين: إما فلسطين أو المخيم.
ما من لحظة كنا نشبه حبات الرمان بقدر ما كنا نشبهها وقت النوم. كانت غرفة المعيشة تتحول في لحظات إلى غرفة نوم. ترتب أمي الفرش إلى جانب بعضها البعض لتصير سريراً أرضياً كبيراً. وكانت أمي وهي تعد فراش النوم، تستذكر مشهداً لم يكن يفارقها، هو مشهد النوم في الملاجئ... فعلى النحو ذاته، كان يعد فراش نوم الهاربين من عبث الموت إلى الملجأ، تبتسم الحاجة عزيزة، وهي تستعيد مشهداً أثيراً على قلبها: كنا في مخيم تل الزعتر أمام الموت عائلة واحدة، يجمعنا الملجأ، ووسط زحامه يتراجع الموت من أولوياتنا لصالح حكايات تنبض بالحياة، ففي الملجأ ولدت قصص حب، وفيه ولد أطفال للمخيم، وفيه كان الحلم يتعربش على قضبان نافذته باعتبارها كوة النور الوحيدة فيه، والأقرب إلى السماء.. وفي الملجأ كان الود يكبر بين البعض، وكان الخصام يشتد بين البعض أيضاً. ووحدها ليالي القصف القاسية التي تعلن أنه ربما لن يخرج نهار على من يشهدها، كان تدفع الناس لمصالحة من يخاصمونهم. هكذا صار الملجأ مع الأيام جزءاً من ذاكرة الفلسطينيين، ومنهم من اجتاح الملجأ بطاقة ميلاده، ومنه من أرّخ لذكرى زواجه، ومنهم من كتب له نهايته. وكانت أمي تقول إن «الملجأ وقتها لم يكن يختلف كثيراً عن المخيم، كلاهما محطتا إقامة مؤقتة، فيهما الفلسطيني يعيش في حالة انتظار على سفر، فلا هو يغادرهما، ولا هو يدع حقيبته بعيداً عنه ويستقر فيهما».
لأيام الملجأ في مخيم تل الزعتر، نذرت أمي العام الأول من عمري، وكان على «قطعة اللحم» التي كنتها في عامي الأول، أن تنتقل بين نساء المخيم جميعهن. حتى إني لكثرة من قلن لي إن أيديهن حملتني وهدهدتني في طفولتي، حسبت أن أمي نذرتني لنساء الملجأ لا لأيامه. ومن يومها وأنا أعد كل امرأة فلسطينية أمي. فيما كانت أمي المرأة الوحيدة ربما التي لا تغار ممن يقاسمنها حب ولدها، ربما لأنها تعلمت في مخيم تل الزعتر كيف تتقاسم والناس مع الحب، رغيف الخبز الناشف وجرعة الماء وخوف القصف ووجع الحصار.
بعد سنوات، سأعرف في مخيم اليرموك ما معنى أن تكون كل الأمهات في المخيم أمي، دون أن تغار منهن أمي. عرفت ذلك وأنا أرى عيني أمي الحاجة عزيزة العلي تغرق بالدموع، وزغاريدها لا تقف وهي تحيي جنازة شهيد مرت من أمامها، أسألها عن الشهيد، فتقول «لا أعرفه... ولكنك قد تكون مكانه «يمّى» وتكون أمه مكاني الآن! فكيف لا تريدني أن أكون مكانها، وهو الآن يقف مكانك؟!».