يبدو أن حالة الارتباك والتضارب التي تعاملت معها مؤسسة الرئاسة المصرية في قضية معالجة المشكلات بين المسلمين والأقباط أخيراً، سواء الرئيس محمد مرسي أو مساعديه، أعادت طرح تساؤلات عن الجذور السياسية للفتنة الطائفية في مصر.

لقد تعامل رئيس الدولة كممثل أعلى للسلطة السياسية في مصر، والبابا كممثل أعلى للسلطة الكنسية، التي بدأت جيدة ومتفاهمة مع الدولة، في بداية الأزمة. إلا أن هذه العلاقة تغيرت مع بيان مساعد الرئيس للشؤون الخارجية عصام الحداد، إذ أعلن البابا اعتكافه.

وقد ذهب آخرون الى أن تعامل مساعد الرئيس وبطء الرئاسة راجع إلى خشية هجمة الإسلاميين عليه، نظراً إلى تشابك تفسيرات ما حدث في العباسية بين مهاجمين للكاتدرائية، وسط وجود الأمن واستخدام بعض الأقباط من داخلها لأسلحة وقنابل مولوتوف، وتعدي بعضهم على ممتلكات أهالي العباسية وسط هتافات أغضبت كثيرين من المسلمين.
الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، يسري العزباوي، يؤكد أن «المقاربات في التعامل مع الملف القبطي برمته لم تختلف منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حتى اليوم؛ فالجميع ينادون بتطبيق القانون، ولكن لم يقدم حتى الآن أحد للمحاكمة، ولا تزال طريقة التعامل تجري عبر المحور الأمني والديني».
ويبيّن أنه ما لم يُحاسَب الجاني والمحرّض ولم يُطبّق القانون على الجميع، فلن يكون هناك حل لجذور الفتنة على المدى المنظور.
ويضيف العزباوي سبباً آخر لوجود جذور للفتنة، هو عدم وجود تجديد للخطاب والفكر الديني الإسلامي والمسيحي، وهو ما يوفر بيئة خصبة ثقافية واجتماعية لتجدد الفتنة في كل حين.
وعن الجذور السياسية، يلفت إلى ضعف مشاركة الأقباط في الحياة البرلمانية المختلفة منذ عهد عبد الناصر حتى الآن، مع ضعف المشاركة في الأحزاب والمجتمع المدني، فضلاً عن وضع الأنظمة كلها مشاكل الأقباط في يد الكنيسة والبطريرك، وهو ما كُرِّس في عهد البابا شنودة الراحل؛ وهي أمور جميعها غيبت الكفاءات القبطية عن المشاركة في المجال العام للمجتمع، معتبراً أن النظام الانتخابي في مصر عقيم.
وينوه العزباوي إلى أن «تقوقع» الأقباط ساعد على عزلتهم، وترسيخ مفهوم أن الكنيسة أصبحت دولة داخل الدولة. فمن جانب لم تكن استراتيجية الدولة طوال العقود الماضية تحث على الخروج من هذا التقوقع، ولا كانت الكنيسة بجعلها القساوسة يتولون شؤون الأقباط في كل صغيرة وكبيرة تساعد على هذا الأمر. ويشير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين موجودة منذ عام 1928، أي ما قبل ثورة تموز 1952، وبالتالي تأثير الحركات الإسلامية لم يظهر إلا بعد محاولة استغلال الرئيس الراحل أنور السادات، لها في مواجهة الناصريين، الأمر الذي جعل بعضها يستخدم خطاباً مهيئاً لانسحاب الأقباط.
بدوره، رأى الخبير في الشؤون القبطية، عبد الله الطحاوي، في حديثه مع «الأخبار» أن خلال الحقبة الناصرية، كانت الدولة قوية ولها سطوة، وبالتالي لم يكن مسموحاً بأي ممارسة خارج السياق العام للنظام، الذي يمكن وصفه بأنه نظام شبه علماني، حيث لم يكن هناك صبغة محددة لسلوك السلطة في هذا الوقت، وهو ما كان يمثل مؤشر اطمئنان للأقباط، هذا فضلاً عن أن المجتمع نفسه كان أكثر انضباطاً، بمعنى أن المجال العام كان لا يستطيع الخروج بممارسات تخلّ بأهداف المشروع الاشتراكي القومي.
وكانت الجماعات الدينية كلها منضبطة بهذا الأمر، إما بالوجود في السجن أو بالتزام خط الدولة. وفي المقابل، كان لدى الأقباط رجل دين يهتم بالصلاة ولا يدفع بالكنيسة في أمور سياسية، فكانت المعادلة آنذاك زعيماً قوياً ذا سطوة ورجل دين تقليدياً ومجالاً عاماً منضبطاً.
ويتابع الطحاوي أن أولى التحولات التي حدثت كانت بعد نكسة 1967، إذ أصاب المجتمع وقتها هزيمة روحية ومادية، واهتزت عنده الكثير من المسلّمات كالقومية والاشتراكية وقرر العودة إلى الدين بمسلميه ومسيحييه، للحفاظ على تماسكه الوجداني. وذلك حتى جاء عصر السادات والبابا شنودة معاً في أول السبعينيات؛ فالبابا شنودة رجل له رؤية ومشروع اجتماعي تعكس خلفيته التاريخية كرجل شارك في العمل السياسي في الأربعينيات داخل الكتلة الوفدية. أما السادات، فكان صاحب توجهات انفتاحية أدت إلى تفكك المشروع الوطني العام وغيابه، فضلاً عن أنه جاء على رأس سلطة غير متجانسة، اضطر معها إلى البحث عن بدائل تقلل من سطوتها، وهو ما ظهر في توظيفه لحركة الصحوات الإسلامية.
أما في عصر الرئيس المخلوع حسني مبارك، فانتقل ملف الأقباط من خزانة الرئاسة إلى خزانة الأمن، وأصبح رأس السلطة السياسية ذا علاقات موسمية وروتينية. وإذا احتاج الأمر إلى تعامل كبير، يكون من خلال وسطاء كزكريا عزمي ومصطفى الفقي وأسامة الباز. بيد أن البابا شنودة اصبح أكثر هدوءاً وغيّر من استراتيجية الصدام مع الدولة إلى المهادنة، نظراً إلى دخول الدولة في حالة مواجهة مع التنظيمات الإسلامية التي يعدها الأقباط العدو الأكبر لها، ونظراً إلى أن أي مواجهة طويلة المدى مع الدولة ليست في مصلحة الأقباط.
ويتابع الطحاوي انه «لم تستمر هذه الفترة طويلاً، حيث دخل أقباط المهجر على الخط في أواخر التسعينيات، الأمر الذي أعاد فكرة الصدام جزئياً، وحالة التوتر مرة أخرى».
أما مرحلة بعد الثورة، فيرى الطحاوي أن «مصر كانت أمام نموذجين: الأول نموذج ميدان التحرير، وأُعيد فيه إنتاج الجماعة الوطنية من خلال تلاحم كافة الانتماءات في الميدان. أما النموذج الثاني، فهو الذي ظهر بعد فترة من الثورة، وتمثّل في الصراع الوهمي الذي أجج الاستقطاب في المجتمع على خلفيات متعددة من بينها الديني والمدني».
وعلى المستوى القبطي، تغير رجل الدين ولم يعد يستطيع أن يقول إلا ما يرضي الشباب، وظهرت حركات قبطية جديدة تسيطر على المشهد، كثير منها التحم مع الحركات الراديكالية اليسارية.
ورغم موافقة الطحاوي على أهمية سيادة القانون، إلا أنه رأى أن في الفترة الحالية، وفي ظل ضعف الدولة الشديد، تبقى الجلسات العرفية حلاً ناجزاً لنزع فتيل الأزمة حتى العمل على تغيير واستئصال جذور الفتنة من المجتمع؛ لأن أحداً لن يقبل من المسلمين والمسيحيين أن يُسجَن على خلفية صراع طائفي.
من ناحيته يقول منسق التيار العلماني في الكنيسة الأرثوذكسية، كمال زاخر، لـ«الأخبار» إن الفتنة زارت مصر في أحداث الخانكة عام 1972، ثم عادت أخيراً من خلال أحداث منطقة الخصوص، المجاورة للخانكة، وكأن الفتنة بدأت في نقطة وعادت إليها. ويرى أن السادات أعاد إحياء الخلايا الراديكالية النائمة، وبمجرد أن أخذت الضوء الأخضر، نالت من الأقباط بوصفهم حجر العثرة أمام المشروع الاسلامي.
وعن طريقة معالجة الفتنة قبل الثورة وبعدها، يرى زاخر أنها لم تختلف بالنظر إلى أول واقعة بعد الثورة التي بدأت بكنيسة صول في أطفيح، عُقدت الجلسات العرفية وذهب الشيوخ والقساوسة، ومارسوا نفس الأنماط والأنساق المُرحّلة للمشكلة لا المعالجة لها من جذورها.