في إطار الأزمة السورية، ظهر جلياً أن الخسائر السعودية السياسية لا يمكن مقارنتها بأي مكاسب مفترضة. كثير من المحللين وجدوا أن الموقف السعودي الذي ظهر مرتبكاً مع بداية الأزمة في سوريا، ألقى بظلاله السلبية على مناخات مجلس التعاون الخليجي (الذي أنشئ لامتصاص الهزات الارتدادية للحرب العراقية ــــ الايرانية)، وانعكس لاحقاً على محيط الجامعة العربية وشكل العلاقات بين أعضائها.

ويجمع الكل على أن الدور السعودي في المنطقة شهد مع بداية ما يسمى «الربيع العربي» سلسلة من التراجعات أدت الى إضعافه في معظم القضايا الساخنة. كما بدا واضحاً أن النظام السعودي يمر بحالة من «انعدام الوزن السياسي»، التي عللها البعض على أنها نتيجة طبيعية لتجاذب مراكز القوى في الداخل السعودي، وخصوصاً في المرحلة التي شهدت عودة رئيس جهاز الاستخبارات السعودي الأمير بندر بن سلطان. ضمن محطات هذه المرحلة بدا واضحاً أن الموقف السعودي المرتبك بدأ يميل باتجاه الموقف القطري الذي يصنفه الكثيرون اليوم ضمن إطار الرعونة السياسية.

جولة الخسارات السعودية بدأت في مضمار مجلس التعاون الخليجي، وتعويم الدور السعودي، الأمر الذي انعكس بدوره على الحالة العربية، سواء في الملف اللبناني أو الفلسطيني وحتى العراقي. وقد ظهر ذلك جلياً في مؤتمر الدوحة حيث ظهرت حالة «اللاحضور» السعودي مقابل «التفرد» القطري في قرارات القمة وشكل إدارتها. القضية الفلسطينية هي أكثر الملفات التي أثارت ارتياب بعض دوائر صنع القرار السعودي أخيراً، وخصوصاً بعد تصدّر القطريين لهذا الملف، سواء عبر إنشاء صندوق القدس أو السعي نحو إنجاز المصالحة الفلسطينية في القاهرة. أما الأخطر فكانت المعلومات التي تتردد عن الرغبة القطرية في إنهاء مبادرة السلام العربية وإطلاق مبادرة سلام قطرية، الأمر الذي أشار بوضوح الى بداية خسارة السعودية لدورها في القضية الفلسطينية، وبالتالي الدور الإقليمي المفترض في المرحلة المقبلة. بعض المحللين خلص إلى اعتبار هذه الخسارة السعودية نتاجاً طبيعياً للانجراف السعودي_منذ البداية_خلف الرؤية القطرية تجاه الأزمة السورية من جهة وعدم استيعاب شكل التغييرات المقبلة في المنطقة من جهة أخرى.
اليوم، تقف السعودية أمام منعطف حقيقي قد يحدد شكل الواقع السعودي المقبل. بعض الإشارات تؤكد أن السعودية بدأت فعلياً بالتقاط هذه الرسائل، حيث جاءت بوادر تعبيراتها عبر المسارعة إلى احتواء المشهد اللبناني، وعدم السقوط في فخ فراغ السلطة. تشير بعض الأطراف المقربة من السعوديين إلى دور سعودي حقيقي هدف الى عدم إعطاء فرصة توسع الأزمة السورية إقليمياً على الساحة اللبنانية عبر عملية ملء فراغ سريع للسلطة في لبنان.
هذه القراءة تشير الى رغبة سعودية حقيقية في إعادة التموضع السياسي والعودة إلى لعب دور فعال على الأرض، استشعاراً بخطورة المرحلة المقبلة، وخطورة الثمن الذي قد تدفعه السعودية جراء حالة الارتهان والبرود السياسي.
واذا اتفقنا على أن التأثير السعودي في الواقع اللبناني الجديد هو نتيجة لرغبة حقيقية في الخروج من حالة البرود السلبي الى مرحلة «إعادة التموضع»، فإن هذه الحال لا يمكن أن تتوقف ضمن المناخ اللبناني فقط. فالواقع العراقي وحجم المساهمة السعودية في إعادة الهدوء الى الداخل العراقي يبقيان هما المعيار الحقيقي لتحديد حجم الالتفاف السعودي. أما جدية التغيير في الموقف السعودي فمن السهل الحكم عليها لاحقاً عبر التبعات التي ستظهر ضمن مناخات الأزمة السورية وانعكاساتها على سياسات المحور السعودي الجديد «المفترض»، والذي قد يشمل أيضاً الإمارات والأردن والكويت.