طرابلس | لا يزال قانون العزل السياسي المعروف بقانون «العدالة الانتقالية» محل جدل واسع وخلاف بين السياسيين في ليبيا، رغم أنه هذه المرة طُرح من نافذة التحصين وضمان مشروعيته وعدم الطعن فيه قبل إقراره.

هذا الأمر يدل على عدم اتفاق الساسة على صيغة مرضية لعزلهم، فبادروا الى تحصين القانون قبل إصداره، تهدئة للمعتصمين خارج مقر المؤتمر الوطني العام (البرلمان) والمطالبين بإقراره، بينما دخل رئيس المؤتمر الوطني الدكتور محمد المقريف إلى عناية القلب، حيث أجرى عدة عمليات في تركيا.
فبعد توقف في انعقاد جلسات البرلمان الليبي وتقطع، وتهديدات للنواب، سيطرت على المشهد خلال شهري شباط وآذار الماضيين، عاد البرلمان ليناقش أولوياته، وسط جو لا يزال مشحوناً بالتهديد بالأسلحة المتوسطة لإقرار أمر وإسقاط آخر.
جلسة يوم أول من أمس، التي عُقِدت بحضور 164 عضواً وغياب 41 عضواً، بدأت بمناقشة التوافق على تعيين سفراء لليبيا، وتجريم الخطف القسري، وتعديل الإعلان الدستوري، ومناقشة العزل السياسي.

إلا أن الجلسة الصباحية انتهت من دون الوصول إلى أي توافق، ما استدعى انعقاد جلسة مسائية غاب عنها 33 عضواً من مقيّدي الجلسة الصباحية. الأمر الذي جعل أي تصويت على أي قانون يبدو مستحيلاً في ظل عدم توافر النصاب القانوني (126 صوتاً)، وبالتالي لا يطرح الموضوع للتصويت مجدداً إلا بعد شهر من موعده، طبقاً لنصوص اللائحة الداخلية لعمل البرلمان.
هذا الأمر استدعى، في ختام الجلسة، الاتفاق على خفض عدد الأصوات للنصاب القانوني للتصويت على قانون العزل السياسي إلى 101 صوت، أي 50 في المئة + 1 تعزيزاً لنظام حكم الحزب الواحد في ليبيا، وتسريعاً لأي قرارات مستقبلية من شأنها كسر الركود في المشهد الليبي الذي بات يسيطر على اتخاذ أي قرار، بعد وضوح تشبث الغالب بالمصلحة الحزبية.
في الجلسة المسائية جرى التصويت على قانون تجريم التعذيب والاختفاء القسري والتمييز. القانون الذي مُرّر فقط بـ 81 صوتاً من اصوات الحاضرين أثار استهجان الجميع، إذ كان من المتوقع أن يمر بموافقة الجميع. إلا أن ما حدث أعطى عدة انطباعات متناقضة عن أولوية التجريم وعقوبة التعذيب لدى السلطات في ليبيا ما بعد القذافي.
لكن البعض عدّ إمرار القانون بعدد هزيل من الأصوات مؤشراً على كم العناد والتشبث بالرأي الذي وصل إليه الحال اليوم، ما يعكس التجاذبات الحزبية الفردية التي لا تمثل في الواقع سخط الشارع الليبي على ما وصل إليه الحال من اغتصاب وتعذيب ومعتقلات خارجة تماماً عن سيطرة الجهات الأمنية، وعمليات اختطاف طاولت حتى مستشار رئيس الوزراء، الذي أُفرج عنه بعد اعتقاله لمدة اسبوع دون إصدار بيان يوضح الجهة التي قامت باختطافه والتحقيق معه أو تعذيبه.
في نفس الجلسة البرلمانية، صوّت النواب على تحصين قانون العدالة الانتقالية دستورياً، الأمر الذي أثار أيضاً تساؤلاً، رآه البعض مشروعاً، عن فحوى القانون الذي جرى تحصينه قبل أن يصدر. ويبدو تحصين قانون العزل السياسي في ليبيا خطوة لم يفهمها البعض، في الوقت الذي اتُّهِم فيه البرلمان بتضليل الرأي العام وإجباره على الموافقة على القانون قبل إصداره بشكله النهائي. تحصين العزل السياسي الذي يعني في مضمونه عدم مشروعية الطعن فيه بعد إصداره، استدعى تعديلاً في الإعلان الدستوري الصادر في شهر آب 2011 من قبل المجلس الوطني الانتقالي بالتوافق خلال أيام الثورة.
تعديل اصبحت بموجبه المادة 6 من الإعلان الدستوري المؤقت، تنص على «أن الليبيين، سواء أمام القانون، ومتساوون في التمتع بالحقوق المدنية و«السياسية»، وفي تكافؤ الفرص، وفي ما عليهم من الواجبات والمسؤوليات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب...».
وتم في الجلسة، وبموافقة 140 عضواً، التوافق على إصدار عبارة "بأن لا يعتبر إخلالاً بهذه المادة وضع معايير لتولي المناصب السيادية" و بهذا حمي القانون مسبقاً من الطعن أمام المحكمة الدستورية تحصيناً له .