غزّة | «بحب أجواء الدراسة وبحب أصدقائي وزملائي بالمدرسة. كل يوم بروح المدرسة وأنا مبسوطة. منقضي نصف اليوم مع بعضنا. لكن اليوم صحيت خايفة، بعد ما سمعت أن الحكومة عاملة قانون جديد للتعليم، وبدهم يفصلوا الطلاب عن الطالبات. طيب ليش. رح أنزعج إذا دخلت الفصل وما كانوا كل أصدقائي موجودين. مش راح تكون الدراسة زيّ قبل، لأني تعودت على زملائي».

تحاول الطالبة ناريمان الريس، ابنة الأعوام التسعة التي تتابع دروسها الابتدائية في مدرسة العائلة المقدّسة الخاصة بمدينة غزة، أن تفهم ما يجري حولها، وأن تعبّر عن استيائها بعدما فوجئت بقرار الحكومة المقالة في قطاع غزّة، بفصل الطلاب عن الطالبات في المدارس، وفقاً لاعتبارات إسلامية تراها الحكومة واجبة التنفيذ للحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع الغزّي.
أيام الطفلة ناريمان في المدرسة لن تعود كما كانت. تقول وقد بدت عليها مشاعر الانزعاج: «أنا مش متعودة يكون الصف هيك. إحنا كنا متل الأخوة وبنحب بعض كتير، وبنلعب وبندرس مع بعض، هلأ أنا كيف بدي أعيش نفس أجواء الدراسة تبعت زمان؟».
وقد فرضت حكومة «حماس» في قطاع غزة قانوناً جديداً للتعليم يتضمن قيوداً مشددة على المجتمع التعليمي في القطاع. ودخل القانون الجديد حيّز التنفيذ مطلع شهر آذار الماضي، بعدما صدّقت عليه الكتلة البرلمانية لحركة «حماس» في المجلس التشريعي الفلسطيني. ومن الجدير بالذكر أن جلسات هذا المجلس بكامل أعضائه توقفت عن الانعقاد منذ الانقسام الفلسطيني الداخلي في حزيران 2007، مع سيطرة الحركة على القطاع.
وشعور ناريمان ليس مختلفاً عن حال طلاب المدارس الذكور. الطالب محمود الشرفا (12 عاماً) يتابع دراسته في المدرسة الأميركية. ورغم صغر سنه، يعبّر عن حزنه وغضبه الشديدين من هذا القانون، ويصفه بأنه «قانون قتل روح الطفولة»، متسائلاً: «شو بدها الحكومة منا لتعمل فينا هيك. إحنا أطفال ولاد ناس ومتربيين، ليجو هما يعلمونا كيف بدنا نتعامل مع زميلاتنا في المدرسة؟». ويتابع حديثه، وكأنه أصبح رجلاً ولم يعد طفلاً، ويقول: «أنا بدأت أفكر بالسفر برا البلد لأدرس بحرية»، مضيفاً أنه كان معتاداً في بعض المواد الدراسية شرح المعلمة، متسائلاً: «كيف سأفهم المادة من معلم؟».
وتتكوّن مسودة القانون، الذي أقرّته حكومة «حماس»، من 60 مادة. تقوم أغلبها على تنظيم العملية التربوية والتعليمية، على أن تسري أحكامه على كافة مراحل التعليم والمؤسسات التعليمية العامة الحكومية والخاصة والدولية العاملة في قطاع غزة.
المادة 46 هي من أبرز بنود القانون، إذ إنها تحظر اختلاط الطلبة من الجنسين في المؤسسات التعليمية بعد سنّ التاسعة، بينما تنص المادة 47 على تأنيث العاملين في مدارس الإناث بنحو كامل.
وتقول الاختصاصية الاجتماعية، فاطمة لافي، إن التنشئة الاجتماعية السليمة تدعو إلى اختلاط الجنسين في بداية العمر حتى لا يفاجأ أحدهما بالآخر وقت دخول الجامعة. وتوضح أن «القيود المتشدّدة التي تفرض على المجتمع لنشر ما يسمى الفضيلة ودون تعريف منطقي لها لا ينتج منها سوى الكثير من الشبهات والاعتراضات من قبل المدرسين والأهل على حد سواء»، مشيرة الى وجود مشاكل اجتماعية يعانيها الطلبة في المدارس الفلسطينية ويفضل المساهمة في حلّها عوضاً عن فصلهم.
وأبدى بعض مديري ومعلمي المدارس الخاصة في غزّة اعتراضهم الشديد على قانون التعليم. ورأوا أنّ القانون الجديد يستهدف خصوصاً مدارسهم، لمحاربتها في نهج السماح بالاختلاط بين الجنسين حتى سن 15 عاماً. كذلك من غير الممكن لهم عملياً تنفيذ قرار الفصل؛ لكلفة ذلك مادياً وعدم مراعاته أسس التنشئة الاجتماعية السليمة. ويلزم القانون كل ولي أمر أو وصي أو قيم بإلحاق الأطفال الذين تحت ولايته أو وصايته بمؤسسات التعليم الأساسية، ويحظر سحبهم قبل بلوغهم سن السادسة عشرة دون عذر مقبول.
وجاء في نص القانون أن أحكامه تسري على مراحل التعليم المبينة في هذا القانون، والمؤسسات التعليمية العامة والخاصة والأجنبية والدولية العاملة في فلسطين، فيما لا تسري على مؤسسات التعليم العالي.
سناء ياسين، وهي إحدى المعلمات في مدرسة ابتدائية تابعة لوكالة «الأونروا»، ترى أن قانون التعليم الجديد فُرض على المدارس دون مناقشته معهم أو مشاورتهم فيه مسبقاً. ونفت حدوث أي تأثيرات سلبية من قبل اختلاط الجنسين في الصفوف الابتدائية التي تعلمها، كما يدّعي واضعو التشريع. ويفترض أن يطبق القانون أيضاً على مدارس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» في كل من غزّة والضفة الغربية، بما أنّ مجلس التشريعي قد أقرّه.
ويرى الناشط الحقوقي مصطفى إبراهيم أنّ حكومة «حماس» تعمد على سنّ بعض القوانين لتعزيز سلطتها ونظامها القائم في قطاع غزة، مؤكداً أنّ «كل خطوة تنفذها لا تخدم سوى مشروعها وسيطرتها على قطاع غزة، وتعزيز الفصل مع ما بقي من الوطن، وكأن قطاع غزة هو كل فلسطين». ويشير إبراهيم إلى أنّ ثقافة الاختلاط غير موجودة في مجتمع محافظ وغالبيته متدينة، ويحافظ على القيم الفلسطينية المحافظة، متسائلاً: «فلماذا يجري تأطير هذا الوضع في قوانين، وإظهار الناس وكأنهم غير مسلمين وليسوا ملتزمين الثقافة والقيم الإسلامية و«حماس» تريد إدخالهم الدين من جديد؟».